فبقي هود عليهالسلام في قومه يدعوهم إلى الله ، وينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى أخصبت بلادهم ، وأنزل الله عليهم المطر ، وهو قوله عزوجل : ﴿يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ...﴾ الآيات.
فلمّا لم يؤمنوا أرسل الله عليهم الرّيح الصّرصر - يعني : الباردة - وهو قوله تعالى في سورة القمر : ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ* إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾(١) ، وحكى في سورة الحاقّة فقال : ﴿وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾(٢) ، قال : كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيّام (٣) .
وقيل : إنّ العذاب الغليظ هو السّموم (٤) ، كانت تدخل انوف الكفرة ، وتخرج من أدبارهم ، فتقطّعهم إربا إربا (٥) .
﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ *
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ
قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾
ثمّ ذمّهم الله بعد إهلاكهم بقوله : ﴿وَتِلْكَ﴾ القبيلة المهلكة ﴿عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ودلائل توحيده ، ومعجزات نبيّه ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جميعا بعصيانهم هودا ، لكون جميعهم على قول واحد ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ في الكفر والعصيان ﴿أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ﴾ ومتمرّد عن الحقّ ﴿عَنِيدٍ﴾ ومعارض له.
قيل : « تلك » إشارة إلى قبورهم (٦) .
ثمّ بيّن سبحانه سوء عاقبتهم عبرة للنّاس بقوله : ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ واردفوا باتّباعهم رؤساء الضّلال ، الدّعاة إلى الكفر بالآيات ، وتكذيب الرّسل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ وبعدا عن الرّحمة وعن كلّ خير ، بحيث لا يفارقهم أبدا ، بل يدور معهم حيثما داروا ﴿وَ﴾ كذا ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ويكون أثر بعدهم الدّخول في النّار ، والخلود فيها.
ثمّ بالغ سبحانه في تفضيح حالهم ، والحثّ في الاعتبار بهم بقوله : ﴿أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ ونعمه ، وجحدوا وحدانيّته. ثمّ دعا عليهم بالهلاك تسجيلا لاستحقاقهم له بقوله : ﴿أَلا بُعْداً﴾ وهلاكا قطعيّا ﴿لِعادٍ﴾ ثمّ بيّن المراد من عاد بقوله : ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ لئلا يشتبه بعاد الثانية ؛ وهم عاد بن إرم.
__________________
(١) القمر : ٥٤ / ١٨ و١٩.
(٢) الحاقة : ٦٩ / ٦ و٧.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٢٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٥٧.
(٤) السّموم : هي الريح الحارّة ، والحرّ الشديد النافذ في المسام.
(٥) تفسير أبي السعود ٤ : ٢١٩.
(٦) تفسير البيضاوي ١ : ٤٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
