فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٢) و (٦٤)﴾
ثمّ أنّ القوم بعدما دعاهم صالح إلى القول بالتّوحيد ﴿قالُوا﴾ في جوابه : ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ ومحلّا للآمال من حيث قوّة عقلك ، ورزانة رأيك ، وحسن تدبيرك ، وكمال شفقتك. عن ابن عبّاس : يعني فاضلا خيرا نقدّمك على جميعنا (١)﴿قَبْلَ هذا﴾ الوقت الذي ادّعيت بطلان مذهبنا وفساد عقائدنا ، ودعوتنا إلى التّوحيد وترك عبادة الأصنام ، يا للعجب ﴿أَ تَنْهانا﴾ عن ﴿أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الأقدمون ، وتأمرنا بأن نترك تقليد أسلافنا الأكرمين ؟ ! إذن قد انقطع رجاؤنا عنك ، وتبيّن خطؤنا فيك ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا﴾ من التّوحيد وترك عبادة الأصنام ، وذلك الشّكّ فيما تدعونا ﴿إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وموقع للقلق والاضطراب في قلوبنا ، أو نحن في (٢) ريبة عظيمة.
وقيل : إنّ الشّكّ هو تساوي الاحتمالين ، والرّيب هو رجحان احتمال السّوء والفساد (٣) .
﴿قالَ﴾ صالح برفق ولين : ﴿يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ﴾ وأخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ في ادّعائي ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ وحجّة ظاهرة ، أو معرفة وبصيرة كاملة كائنة ﴿مِنْ رَبِّي﴾ ومليكي ﴿وَآتانِي مِنْهُ﴾ في الواقع والحقيقة ﴿رَحْمَةً﴾ ورسالة ، أو معجزة قاهرة ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ ويحفظني ﴿مِنْ﴾ عذاب ﴿اللهِ﴾ وبأسه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وخالفت أمره بتبليغ رسالته إليكم ، ونهيه [ عن ] المساهلة فيه والمداراة معكم ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذن بتوقعكم السّكوت عن دعوتكم إلى التّوحيد ، والموافقة معكم في الشّرك ، شيئا ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ وتضرّر ، حيث إنّه ليس في موافقتكم إلّا التعرّض لسخط الله وعذابه.
وقيل : إنّ المراد : ما تزيدونني بما تقولون غير أن [ أنسبكم إلى الخسران و] أقول لكم إنّكم لخاسرون (٤) .
﴿وَيا قَوْمِ﴾ إن تريدون منّي آية ومعجزة دالّة على صدق نبوّتي وصحّة ما أدعوكم إليه من التّوحيد ، فانظروا ﴿هذِهِ﴾ الجثّة العظيمة ﴿ناقَةُ اللهِ﴾ التي خلقها بقدرته من الصّخرة بهذه الصّورة دفعة من غير ولادة ، وهي ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ عظيمة ، وحجّة ظاهرة على نبوّتي ، وصدق قولي ، ولا يثقل عليكم كونها فيكم ، لأنّكم ليس عليكم علوفتها (٥)﴿فَذَرُوها﴾ وخلّوها ﴿تَأْكُلْ﴾ النّباتات والحشائش التي تجدها ﴿فِي أَرْضِ اللهِ﴾ وإنّما عليكم أن لا تؤذوها ﴿وَلا تَمَسُّوها﴾ ولا تصيبوها ﴿بِسُوءٍ﴾ من ضرب وقتل لبغضكم إيّاها ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ وينزل عليكم إذن ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ سريع النّزول.
في قصة ناقة صالح
روي عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لمّا دعا صالح قومه إلى الله كذّبوه ، فضاق صدره فسأل
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢١.
(٢) في النسخة : ذو.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ١٨.
(٤) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢٢.
(٥) أي علفها.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
