ثمّ أوضح سبحانه سوء حال الكفّار وحسن حال المؤمنين ، بضرب المثل بقوله : ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ فريق الكفّار وفريق المؤمنين وحالهم العجيبة ، ببيان أوضح : أنّ فريق الكفّار ﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِ﴾ الذي يكون متحيّرا في جميع اموره ، لا يهتدي إلى شيء من مصالحه ومنافعه ﴿وَ﴾ فريق المؤمنين مثل ﴿الْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الذي يهتدي إلى كلّ خير ﴿هَلْ﴾ الفريقان ﴿يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ وحالا ؟ كلّا ، لوضوح أنّ الأوّل يتخبّط في المسالك ويقع في المهالك ، والثاني يمشي مطمئنّا ويهتدي إلى جميع مطالبه إلى أقطار الأرض ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ ؟﴾ قيل : إنّ التقدير : أتعقلون عن هذا التّفاوت بينهما ، فلا تذكّرون ؟ أو فلا تتألّمون في هذا المثل ، مع أنّ العاقل لا ينبغي له الغفلة وعدم التذكّر. وفي المثل تقرير لعدم التّساوي بين من كان على بيّنة ، وغيره (١) .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي
أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ
بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ
عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ * قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٥) و (٢٨)﴾
في بيان كيفية دعوة نوح ومعارضته قومه
ثمّ أنّه تعالى بعد تهديد الكفّار بالعذاب الاخروي ، ذكر قصّة نوح وهلاك قومه ، عبرة وتهديدا لهم بالعذاب الدّنيوي ، وتسلية للنبيّ صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ فقال : يا قوم ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ ومخوّف بالعذاب على الشّرك والطّغيان ﴿مُبِينٌ﴾ لإنذاري أكمل بيان ، وموضّح له أوضح تبيان.
وقيل يعني : مبين ما أعدّ الله للمطيعين من الثّواب (٢) .
ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة إنذاره ، وما أنذر به بقوله : ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ﴾ ولا تشركوا به شيئا ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن خالفتموني ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ من جهة ما يقع فيه من العذاب ﴿فَقالَ الْمَلَأُ﴾ والأشراف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكانوا ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ في جوابه ، تماديا في الكفر ، وعنادا للحقّ : ﴿ما نَراكَ﴾ يا نوح ﴿إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا﴾ تأكل وتنام وتمشي ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ وآمن بك ﴿إِلَّا﴾ الصعاليك ﴿الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾ وأدانينا ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وظاهر الأنظار من غير تعمّق ، أو بلا حاجة إليه لوضوحه ، فلا عبرة باتّباعهم لك ، لأنّهم ليسوا بذوي عقل رزين ، ورأي أصيل ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا
__________________
(١) تفسير أبي السعود ١ : ١٩٩.
(٢) تفسير الرازي ١٧ : ٢١٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
