عن القمّي رحمهالله قال : إذا أغنى الله العبد ثمّ افتقر ، أصابه الإياس والجزع والهلع (١) .
﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * فَلَعَلَّكَ
تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ
جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١١) و (١٢)﴾
ثمّ بيّن حال المؤمنين الصّابرين بقوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في البلايا والشّدائد ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ عند النّعمة والرّاحة شكرا ﴿أُولئِكَ﴾ الصّابرون الشّاكرون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ للذّنوب ، ونجاة من الشّدائد الاخرويّة ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وثواب عظيم ، والنّعم الدّائمة بما صبروا في الدّنيا على البلايا ، وشكروا للنّعم.
ثمّ لمّا كان المشركون يكذّبون القرآن ويستهزئون به ، بحيث كان يضيق صدر النبيّ صلىاللهعليهوآله أن يبلّغ إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، هيجه الله سبحانه لأداء الرّسالة ، وعدم المبالاة باستهزائهم به بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ للقيام بوظيفة الرّسالة ، ويتوقّع منك أن لا تبلّغ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ من الآيات الدالّة على صدق نبوّتك ، المنادية بأنّها من عند الله ، أو ممّا يخالف رأي المشركين كإبطال مذهبهم ، وذمّ آلهتهم وسبّها ، وإلزامهم بترك تقليد آبائهم ﴿وَضائِقٌ﴾ بتبليغه قلبك ، وعارض لك ﴿بِهِ﴾ من الغمّ ما لا يسعه ﴿صَدْرُكَ﴾ مع أنّك أفسح النّاس صدرا ، وأصبرهم في جنب الله ، وكان ذلك لأجل ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ تكذيبا لك واستهزاء بك ﴿لَوْ لا أُنْزِلَ﴾ إليه ، وهلّا القي ﴿عَلَيْهِ﴾ من السّماء ﴿كَنْزٌ﴾ ومال وافر ينفقه في اموره واستتباع النّاس له كالملوك ، ويستدلّ به على صدقه ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ من الملائكة يصدّقه في دعوى رسالته ، ويعينه على عدوّه.
قيل : إن القائل عبد الله بن اميّة المخزومي (٢) .
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّ رؤساء مكّة قالوا : يا محمّد ، اجعل لنا جبال مكّة ذهبا إن كنت رسولا. وقال آخرون : آتينا بالملائكة حتّى يشهدوا على نبوّتك ، فقال : لا أقدر على ذلك. فنزلت (٣) ، فردّهم الله بقوله : ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ومأمور من قبل ربّك لوعظ النّاس ، وتخويفهم من الشّرك والعصيان ، بتلاوة ما اوحي إليك من القرآن عليهم ، غير مبال بتكذيبهم وردّهم ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم ﴿وَكِيلٌ﴾ وحفيظ ؛ فيجازيهم عليها أسوأ الجزاء ، فتسلّ ولا يضيق صدرك.
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣٢٣ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٣٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ١٩١.
(٣) تفسير الرازي ١٧ : ١٩٢ ، تفسير أبي السعود ٤ : ١٩١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
