وتخومها ، ذكرا أو انثى ، صغيرا أو كبيرا ، وحشيّا أو أهليّا ، برّيا أو بحريّا ، طائرا أو غير طائر ﴿إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ الخالق لها ﴿رِزْقُها﴾ وما تعيش به (١) من الغداء والشّراب وغيرهما ، مدّة حياتها ، تفضّلا وإحسانا ﴿وَيَعْلَمُ﴾ قبل وجوها وبعده ﴿مُسْتَقَرَّها﴾ ومسكنها في الأرض ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ ومحلّا تكون مودعة (٢) فيه من أصلاب الآباء وأرحام الامّهات ، وما يجري مجراها من البيضة ونحوها.
وقيل : المستقرّ : محلّ التعيّش ، والمستودع : محلّ الموت (٣) . وقيل : إنّ الأوّل أصلاب الآباء ، والثّاني أرحام الامّهات (٤) .
ثمّ بالغ سبحانه في علمه بقوله : ﴿كُلٌ﴾ من الدوابّ وأرزاقها ومستقرّها ومستودعها مكتوب ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ واللّوح المحفوظ الذي تظهر فيه جميع المقدّرات لمن ينظر إليه من الملائكة ، والنّفوس المقدّسة.
في ( نهج البلاغة ) : « قسّم أرزاقهم ، وأحصى آثارهم وأعمالهم ، وعدد أنفاسهم ، وخيانة أعينهم وما تخفي صدورهم من الضّمير ، ومستقرّهم ومستودعهم من الأرحام والظّهور ، إلى أن تتناهى بهم الغايات » (٥) .
روي أنّ موسى عليهالسلام عند نزول الوحي إليه ، تعلّق قلبه بأحوال أهله ، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة ، فانشقّت وخرجت صخرة ثانية ، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقّت وخرجت صخرة ثالثة ، ثمّ ضربها بعصاه فانشقّت وخرجت منها دودة كالذرّة ، وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الحجاب عن سمع موسى فسمع الدّودة تقول : سبحان من يراني ، ويسمع كلامي ، ويعرف مكاني ، ويذكرني ولا ينساني (٦) .
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
ثمّ أشار سبحانه إلى علّة إحاطة علمه بجميع الموجودات ؛ وهي قيموميّته عليها بقوله ﴿وَهُوَ﴾ الله ﴿الَّذِي﴾ بقدرته ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قد مرّ تفسيره (٧).
__________________
(١) في النسخة : وما يعيش بها.
(٢) في النسخة : يكون مودعا.
(٣ و٤) . تفسير روح البيان ٤ : ٩٦.
(٥) نهج البلاغة : ١٢٣ الخطبة ٩٠.
(٦) تفسير الرازي ١٧ : ١٨٦.
(٧) تقدّم في الآية (٥٤) من سورة الأعراف ، والآية (٣) من سورة يونس.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
