الجنّة ، إنّ الله تعالى يقول : ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(١) .
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا
يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٤) و (١٠٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد أمر الرّسول عليهالسلام بالدّعوة إلى التّوحيد ، وأمر النّاس بالنّظر في الآيات الدالّة عليه ، أمر رسوله عليهالسلام بإعلام النّاس بدينه وهو التّوحيد والبراءة من الشّرك بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد : ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍ﴾ ما ، وترديد ﴿مِنْ دِينِي﴾ الذي اخترته لنفسي ، ولا تتيقّنوا به ﴿فَلا أَعْبُدُ﴾ أبدا الآلهة ﴿الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لعلمي بعدم قابليّة شيء منها للعبادة ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي﴾ بقدرته ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وبإرادته يميتكم.
وقيل : يعني أعبد الذي وعدني بأن يتوفّاكم ويهلككم ويبقيني ، فإنّه الذي يجب أن يخاف منه ، دون ما هو بمعزل عن القدرة على التصرّف في موجود من الموجودات كأصنامكم. وإنّما قدّم ترك عبادة الغير في الذّكر على تخصيص عبادته بالله ، لتقدّم التّخلية ، وللإيذان في أوّل الأمر بالمخالفة (٢) .
وقيل : إنّ المراد : إن كنتم في شكّ من صحّة ديني ، فاعلموا أنّ ديني الإخلاص في العبادة لمن بيده ناصية كلّ شيء ، ورفض عبادة غيره ممّا لا يضرّ ولا ينفع ، فانظروا بعقولكم أيّهما أولى بالعبادة ، فإن تفكّرتم علمتم أن لا مجال للشكّ في صحّة ديني فضلا عن القطع بعدمه ، أو إن كنتم في الشكّ من ثباتي على ديني ، فإنّي لا أتركه أبدا (٣) .
﴿وَأُمِرْتُ﴾ من قبل خالقي وعقلي ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ، الموحّدين له ﴿وَ﴾ قيل لي : ﴿أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ ووجه عقلك وقلبك وشراشر وجودك ﴿لِلدِّينِ﴾ القيّم ، وأقبل بكلّك إليه ، حال كونك ﴿حَنِيفاً﴾ ومعرضا عن غيره من الأديان الباطلة ﴿وَلا تَكُونَنَ﴾ البتّة في آن من عمرك ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ اعتقادا وعملا ﴿وَلا تَدْعُ﴾ ولا تعبد بوجه من الوجوه ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواه ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾ بإيصال محبوب إليك ، أو دفع مكروه عنك إن دعوته ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ بشيء أبدا إن تركته ، لعدم قدرته على شيء ، وعدم شعوره بشيء ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ ما نهيت عنه من عبادة غير الله ﴿فَإِنَّكَ
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ : ٢٩٧ / ١٩٨٦ ، مجمع البيان ٥ : ٢٠٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٢٨.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ١٧٩.
(٣) تفسير أبي السعود ٤ : ١٧٩ ، تفسير البيضاوي ١ : ٤٤٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
