الباهرات ، لا بأن يأتي كلّ رسول بمعجزة واحدة ، بل لكلّ واحد منهم معجزات عديدة ، خاصّة به حسب اقتضاء الحكمة البالغة ﴿فَما كانُوا﴾ هؤلاء الأقوام ﴿لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يروا المعجزات ، ولم يرج منهم أن يصدّقوهم في رسالتهم التي أنكروها في أوّل بعثتهم ، أو في عالم الذرّ ، لشدّة إصرارهم على العتوّ والتمرّد والعناد للحقّ ، والطّبع على القلوب ﴿كَذلِكَ﴾ الطّبع المحكم ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ﴾ الكفّار ﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين عن حدود العقل ، المتجافين عن قبول الحقّ وسلوك طريق الرّشد ، فلم يمكن إيمانهم بسوء اختيارهم وانهماكهم في الشّهوات والضّلال.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا
قَوْماً مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قالَ
مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٥) و (٧٧)﴾
ثمّ حكى سبحانه إرسال موسى عليهالسلام بعد اولئك ، ومعارضة قومه معه ، وتوكّله على الله بقوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ بالرّسالة ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ بن عمران ﴿وَ﴾ أخاه ﴿هارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ﴾ وأشراف قومه ﴿بِآياتِنا﴾ التّسع ، فأتياهم وبلغاهم الرّسالة ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن قبول قولهما واتّباعهما ﴿وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ متمرّنين على العتوّ والطّغيان ، ومعتادين لارتكاب العصيان ، فلذا اجترأوا على تكذيبهما ﴿فَلَمَّا جاءَهُمُ﴾ الآيات البيّنات التي كلّها ﴿الْحَقُ﴾ الذي عرفوه ﴿مِنْ عِنْدِنا قالُوا﴾ عتوّا وعنادا : ﴿إِنَّ هذا﴾ الذي جاء به وسمّاه معجزة ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وشعبذة ظاهرة ، لا مجال للشكّ فيه ، فلا يجوز الاعتماد عليه في الإيمان بموسى واتّباعه ، ولا الاغترار به.
فلمّا كذّبوه ونسبوا ما أتى به من المعجزة الظّاهرة [ إلى السحر ]﴿قالَ مُوسى﴾ للمكذّبين تعجّبا من قولهم ، وتوبيخا لهم : ﴿أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِ﴾ الذي هو أبعد شيء من السّحر - الذي هو الباطل البحت - ما تقولون ، أو تعيبونه وتطمّعون فيه ﴿لَمَّا جاءَكُمْ﴾ ووقفتم عليه من غير تدبّر وتأمّل؟!
ثمّ بالغ في توبيخهم بقوله : ﴿أَ سِحْرٌ هذا﴾ المعجز الذي إعجازه في غاية الظّهور ، بحيث لا يمكن أن يرتاب فيه أحد ؟ وكيف يمكن أن أكون من السّاحرين ، ﴿وَ﴾ الحال أنّه ﴿لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ ولا يفوزن بمطلوب ، ولا ينجون من مكروه ، مع أنّي ظافر بكلّ مطلوب ومصون من كلّ محذور ؟
﴿قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ * وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جاءَ
السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
