﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ
بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ
قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾
ثمّ بيّن أنّه لا علّة لإعراضهم عنه ، وإرادتهم إهلاكه بقوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وأعرضتم عنّي وعن نصحي وتذكيري ، فقد فعلتم ما لا سبب له ولا باعث ، فإن تخيّلتم أنّي أطمع في أموالكم ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ﴾ بمقابل وعظي وتذكيري ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ وعوض تؤدّونه إليّ من أموالكم ، حتّى يؤدّي ذلك إلى إعراضكم لثقله عليكم ، أو لدلالته على أنّ قصدي من دعوتي طلب الدّنيا لا امتثال أمر الله ، واعلموا أنّ قصدي إطاعة أمر الله ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ وما عوض عملي ﴿إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ لأنّ العمل له ، وعوضه عليه ، وهو لا يضيع أجر العاملين له ، وإن لم تنفعكم دعوتي ، وتولّيتم عن الإصغاء لكلامي ، فإنّ عليّ العمل بما امرت به ﴿وَ﴾ أنا ﴿أُمِرْتُ﴾ من قبل عقلي ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ والمنقادين لأوامره ، ولذا لا اخالف أمره ، ولا أرجو الثّواب إلّا منه.
وقيل : إنّ المعنى : وأمرت أن أكون من المستسلمين لما يصيبني من البلاء في طاعته (١) .
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بعد إتمام الحجّة عليهم ، وإيضاح المحجّة لهم ، كتكذيبهم قبله ، فلمّا ظهر أنّ تولّيهم ليس إلّا من العتوّ والطّغيان ، فلا جرم حقّت عليهم كلمة العذاب ﴿فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ﴾ كان ﴿مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ الذي صنعه بأمرنا ، وكانوا ثمانين ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ في الأرض من الهالكين برحمتنا التي [ هي ] من شؤون الرّبوبيّة ﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ بالطّوفان الكفّار ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ غضبا عليهم بمقتضى جرائمهم الموبقة ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمّد ، أو أيّها الإنسان ، نظر التعجّب والاعتبار ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أمر ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ وإلى مآل أمرهم. وفيه تهويل لما جرى عليهم ، وتهديد لمكذّبي الرّسول وتسلية له.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ بالرّسالة ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ وبعد انقضاء رسالته بالموت ﴿رُسُلاً﴾ كثيرة ، عظيمة الشّأن ﴿إِلى قَوْمِهِمْ﴾ كهود إلى عاد ، وصالح إلى ثمود ، وإبراهيم إلى أهل بابل ، وشعيب إلى أهل مدين ، وغيرهم ممن قصّ أحوالهم أو لم يقصّ ﴿فَجاؤُهُمْ﴾ وأتوا بينهم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ والمعجزات
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٤ : ١٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
