جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللهُ
الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) و (٨٢)﴾
ثمّ كأنّه قيل : ما قال فرعون وملؤه لموسى في جوابه ؟ فأجابهم سبحانه بقوله : ﴿قالُوا﴾ عجزا عن محاجّته : ﴿أَ جِئْتَنا﴾ يا موسى ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ وتصرفنا ﴿عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ من عبادة الأصنام ، وتمنعنا من تقليدهم في الشّرك ﴿وَتَكُونَ﴾ باتّباعنا ﴿لَكُمَا الْكِبْرِياءُ﴾ والسّلطنة والتفوّق علينا ﴿فِي﴾ تلك ﴿الْأَرْضِ﴾ ومملكة مصر ﴿وَما نَحْنُ لَكُما﴾ البتّة ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ وبكما مصدّقين في دعوى النبوّة ، وتوحيد الإله ، ولا نؤثر رئاستكما على رئاستنا. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ لخدمه وملأه : ﴿ائْتُونِي﴾ من كلّ ناحية ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ بالسّحر ، حاذق فيه ، حتّى يعارضوا موسى بمثل ما أتى به ، فذهب الخدمة وأتوا بهم ﴿فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ ووقفوا في مقابل موسى عليهالسلام لمعارضته ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى﴾ إظهارا لعدم مبالاته بهم : ﴿أَلْقُوا﴾ أيّها السّحرة ﴿ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ من الحبال والعصيّ ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيّهم ، واسترهبوا النّاس بسحرهم ﴿قالَ مُوسى﴾ لهم وهو غير مكترث بهم وبعملهم : ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ﴾ وما صنعتموه هو ﴿السِّحْرُ﴾ البيّن الذي يعرفه كلّ أحد ، واعلموا ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ ويمحقه ، بما يظهره على يدي من المعجزة ، أو المراد أنّ الله يظهر بطلانه للنّاس ويفضح فاعله.
ثمّ بيّن سبحانه علّة إبطاله بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ﴾ ولا يثبت على حاله ﴿عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ سواءأ ] كان سحرا أو غيره ، لأنّه لا يرضى بالفساد في الأرض ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَ﴾ ويثبته ويديمه ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ ومواعيده التي وعدها على لسان رسله ، أو بما سبق من قضائه ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ ذلك ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المصرّون على العصيان. وفيه تسلية للنبيّ صلىاللهعليهوآله.
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ
كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا
تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)﴾
ثمّ ألقى موسى عصاه ، وأبطل سحر السّحرة ، وأتى بمعجزات كثيرة اخرى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ مع ذلك ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ وجماعة قليلة ، أو حديثو السنّ ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل ، عن ابن عبّاس قال : لفظ
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
