بل يقال لهم عند إيمانهم بعد رؤية العذاب توبيخا وتقريعا لهم : ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ العذاب ، وهل بعد نزوله عليكم وسقوط الايمان عن النّفع في حقّكم ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وصدّقتموه ؟ !
ثمّ أكّد سبحانه التّوبيخ والتّقريع عليهم بقوله : ﴿آلْآنَ﴾ وهل في هذا الحين تؤمنون بالله وبرسالة الرّسول ، وترجون الانتفاع بالايمان والخلاص به من العذاب ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ قبل نزوله ﴿بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبا لوعد الله ، واستهزاء بالرّسول ؟
﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ بعد نزول العذاب ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بوضع تكذيب الرّسول موضع تصديقه ، والكفر موضع الإيمان : ﴿ذُوقُوا﴾ واطعموا ﴿عَذابَ الْخُلْدِ﴾ والدّائم ، كما أذقتم الرّسول والمؤمنين جرع الغصص ، وكؤوس الكروب ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ اليوم بسبب ﴿إِلَّا بِما كُنْتُمْ﴾ في الدّنيا ﴿تَكْسِبُونَ﴾ لأنفسكم من الكفر والعصيان ، وفيه تنبيه على أنّه تعالى خلق الخلق للرّحمة ، وإنّما العذاب هو نتيجة أعمالهم.
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية استهزاء المكذّبين بوعدهم بالعذاب ، حكى عنهم السّؤال عن صدق هذا الوعد بقوله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ ويستخبرون منك يا محمّد ، بعد إخبارك إيّاهم بالعذاب ﴿أَحَقٌ﴾ هذا الوعد ، وصدق ﴿هُوَ﴾ أم صرف تخويف لا واقع له ؟ ﴿قُلْ﴾ في جوابهم : ﴿إِي وَرَبِّي﴾ ونعم والله ﴿إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ حقيق بالقبول ، وصدق لا مجال للرّيب فيه. عن الباقر عليهالسلام : « ويستنبئك (١) أهل مكّة عن عليّ : أ إمام هو ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾(٢)﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ربّكم من إدراككم ، وفائتين عنه بالهرب حين إرادته تعذيبكم.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا
الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾
ثمّ بالغ سبحانه ؛ بعد نفي قدرتهم على الهرب من العذاب ، في بيان عدم تمكّنهم من الخلاص ببذل الفداء بقوله : ﴿وَلَوْ﴾ فرض ﴿أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ﴾ من النّفوس التي ﴿ظَلَمَتْ﴾ بالإشراك - وعن القمّي : آل محمّد حقّهم (٣) - ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ من خزائنها وكنوزها وأمتعتها ﴿لَافْتَدَتْ﴾ تلك النّفس ﴿بِهِ﴾ وبذلته بإزاء نجاتها من العذاب - عن القمّي : يعني في الرّجعة (٤) - لا يقبّل منها ﴿وَأَسَرُّوا﴾ وأخفوا ﴿النَّدامَةَ﴾ على ما ارتكبوه من الشّرك والعصيان ، كراهة لشماتة الأعداء - كما عن
__________________
(١) زاد في الأمالى : يا محمد.
(٢) أمالي الصدوق : ٧٧١ / ١٠٤٧ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٦.
(٣ و٤) . تفسير القمي ١ : ٣١٣ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
