الصادق عليهالسلام (١) - أو عجزا عن النّطق لغاية الحيرة والدّهشة ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ وقيل : إنّ ﴿أَسَرُّوا﴾ هنا بمعنى أظهروا (٢) ؛ لأنّه ليس بيوم تصبّر ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جميعا ؛ المشركين منهم وغير المشركين ، من سائر فرق الكفّار والطّغاة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ والعدل ، ويحكم عليهم بالعذاب اللّائق بهم ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فيما فعل بهم من العذاب ، لكونه نتيجة سيّئاتهم.
﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٥) و (٥٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد نفي الكذب في وعده ، ونفي قبوله الفداء لرفع العذاب ، أعلن بغناه المطلق ، وعدم تطرّق الكذب في وعده بقوله : ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ﴾ وحده ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يحتاج إلى أخذ الفداء ، وليس لكم مال تفدون به ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ بالثّواب والعقاب ﴿حَقٌ﴾ وصدق لا يمكن الخلف فيه ، لقبحه المنافي لحكمته ، وكمال قدرته على إنجازه ﴿وَلكِنَ﴾ النّاس ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك لقصور عقولهم ، وكمال غفلتهم ، بسبب انهماكهم في الشّهوات ، فيقولون ما يقولون.
ثمّ أكّد سبحانه كمال قدرته بقوله : ﴿هُوَ﴾ القادر الذي ﴿يُحيِي﴾ الميّت ﴿وَيُمِيتُ﴾ الحيّ ، بلا دخل لأحد في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ﴾ في الآخرة ﴿تُرْجَعُونَ﴾ كما أنّكم منه تبدأون.
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تحذير النّاس من الكفر وتكذيب الرّسل ، وجه خطابه إليهم ، استمالة لهم نحو الحقّ وقبوله ؛ بقوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ثمّ دعاهم إلى اتّباع القرآن بذكر فوائده العظيمة بقوله : ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ﴾ الآيات القرآنيّة التي هي ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ لكم ، وتذكرة بعواقب أعمالكم ﴿مِنْ﴾ قبل ﴿رَبِّكُمْ﴾ اللّطيف بكم ﴿وَ﴾ هي ﴿شِفاءٌ﴾ وبرء ﴿لِما فِي الصُّدُورِ﴾ والقلوب من الأمراض الروحانيّة كالجهل والشكّ ، ورذائل الأخلاق. عن الصادق عليهالسلام : أنّه شفاء من أمراض الخواطر ، ومشتبهات الامور (٣) . وفي رواية : من نفث الشيطان (٤)﴿وَ﴾ هي ﴿هُدىً﴾ ورشاد إلى الحقّ وسائر الخيرات ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ وفضل خاصّ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المتدبّرين فيها ، المقتبسين من أنوارها.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ : ٢٧٩ / ١٩٦١ ، تفسير القمي ١ : ٣١٣ ، مجمع البيان ٥ : ١٧٥ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٦.
(٢) تفسير الرازي ١٧ : ١١١.
(٣) تفسير الصافي ٢ : ٤٠٧.
(٤) الكافي ٨ : ٤٤ / ٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
