يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تهديد المكذّبين بالعذاب ، حكى استهزاءهم به بقوله : ﴿وَيَقُولُونَ﴾ لك يا محمّد ، وللمؤمنين بك استهزاء ، أو استبعادا لما وعدتهم من العذاب : ﴿مَتى﴾ يكون وقوع ﴿هذَا الْوَعْدُ﴾ الذي وعدتمونا به ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في وعدكم ؟
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بأن يجيبهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمّد : إنّي ﴿لا أَمْلِكُ﴾ ولا أقدر ﴿لِنَفْسِي﴾ على أن أدفع ﴿ضَرًّا﴾ وإن كان يسيرا ﴿وَلا﴾ أن أجلب ﴿نَفْعاً﴾ وإن كان حقيرا ﴿إِلَّا ما شاءَ اللهُ﴾ أن أدفعه من الضرّ ، أو أجلبه من النّفع ؛ لأنّه تعالى مالكهما ، وهو لم يعيّن لوعده وقتا ، إنّما المعلوم عندنا (١)﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ وعد بتعذيبهم ﴿أَجَلٌ﴾ ووقت معيّن لعذابهم ، خاصّ بهم في علمه ، يحلّ بهم العذاب الموعود عند حلوله ، و﴿إِذا جاءَ﴾ كلّ امّة ﴿أَجَلُهُمْ﴾ المضروب لهلاكهم ، أنجز الله وعده ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه ولا يمهلون ﴿ساعَةً﴾ وزمانا قليلا ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه.
عن الصادق عليهالسلام : « هو الذي سمّي لملك الموت في ليلة القدر » (٢) .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ
إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا
عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ
إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٠) و (٥٣)﴾
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بلوم المكذّبين في تعجيلهم العذاب بقوله : ﴿قُلْ أَ رَأَيْتُمْ﴾ وأخبروني أيّها المكذّبون ﴿إِنْ أَتاكُمْ﴾ ونزل بكم ﴿عَذابُهُ﴾ الموعود ﴿بَياتاً﴾ وليلا ﴿أَوْ نَهاراً﴾ وأنتم تشتغلون بامور معاشكم ﴿ما ذا﴾ وأيّ نفع تتصوّرون للعذاب الذي ﴿يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾ هؤلاء ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ أيّ مقصود لهم في استعجاله ، مع أنّ العاقل يستأخره ويفرّ منه لشدّة مرارته وصعوبة تحمّله.
وفي وضع المجرمين موضع الضمير ، تنبيه على علّة استحقاقهم العذاب ، وعلى مقتضى فرارهم منه ، ومباينة حالهم للاستعجال فيه.
ثمّ كأنّه قال سبحانه : إن كان غرضهم من الاستعجال علمهم بصدق النبيّ ، وإيمانهم بتوحيد الله وصدق وعده ، فليعلموا أنّ الإيمان بعد مشاهدة العذاب لا ينفعهم في الخلاص والوصول إلى ثوابه ،
__________________
(١) زاد في النسخة : أن ، قبل الآية ، وحذفناها لما يترتب عليها من تغيير الموقع الإعرابي للفظ الآية وتفسيرها بحيث يكون ( أجلا ووقتا معينا ... ) .
(٢) تفسير العياشي ٢ : ٢٧٨ / ١٩٥٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
