مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بالمداراة مع المشركين ، أو زجرهم وردعهم ، أو إظهارا لليأس منهم بقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمّد ، في ادّعاء الرّسالة والتّوحيد بعد إلزامهم بالحجّة ﴿فَقُلْ﴾ في جوابهم : ﴿لِي عَمَلِي﴾ من الايمان بالله وطاعته ، أو جزاء عملي ﴿وَلَكُمْ﴾ أيّها المشركون ﴿عَمَلُكُمْ﴾ من الشّرك والطّغيان ، أو جزاء عملكم ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ﴾ وغير مسؤولين ﴿مِمَّا أَعْمَلُ﴾ فلا تؤاخذون به ﴿وَأَنَا﴾ أيضا ﴿بَرِيءٌ﴾ وغير مسؤول ﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا اؤاخذ بعملكم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ
مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٢) و (٤٣)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في بيان شدّة عداوة المكذّبين بالقرآن بحيث لا يرجى إيمانهم ؛ بقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ حين تقرأ القرآن وتعلّمه أصحابك ؛ وهم كالصّمّ لا يفهمون كلامك ، ولا يلتفتون إلى محاسنه لشدّة بغضهم لك ونفرتهم من القرآن ، فلا تقرأ عليهم القرآن ، ولا تجهد نفسك في دعوتهم ﴿أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ﴾ بقدرتك البشريّة ، وتفهم كلامك ﴿الصُّمَ﴾ الذين سدّ أسماع قلوبهم الشّهوات ، وحبّ الدّنيا ، وشدّة العداوة من إدراك الكلام ومحاسنه ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ فإنّ تفهيم الكلام للأصمّ العاقل لو كان ممكنا لفراسته ، لا يمكن تفهيمه للأصمّ المجنون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ﴾ ببصره الظّاهر ﴿إِلَيْكَ﴾ وإلى معجزاتك الواضحة ، ولكنّهم لعمى قلوبهم لا يرون نورك وجهات إعجاز معجزاتك ﴿أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ وفاقدي البصر إلى طريق الحقّ ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ بعين قلوبهم الطّريق.
وقيل : إنّ المقصود من الآيتين تسلية النبيّ صلىاللهعليهوآله بتشبيه المكذّبين المصرّين على الكفر بالأصمّ الذي لا عقل له ، والأعمى الذي لا بصيرة له ، فكما يمنع الصّمم في الأذن ، والعمى في العين عن إدراك محاسن الكلام ومشاهدة محاسن الصّورة - خصوصا إذا انضمّ إلى الصّم عدم العقل ، وإلى العمى عدم البصيرة - كذلك تمنع شدّة بغض المكذّبين للحقّ ، وعداوتهم للرّسول ، ونفرتهم عن القرآن ، وعن قبولهم الهداية ، وكما أنّ الطّبيب إذا رأى مريضا لا يمكن علاجه ، أعرض عنه بلا استيحاش من عدم قبوله العلاج ، كذلك يجب على الرّسول الإعراض عن هؤلاء المكذّبين بلا استيحاش من عدم قبولهم الحقّ (١) .
__________________
(١) الرازي ١٧ : ١٠١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
