﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ
اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٤) و (٤٥)﴾
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ قطع الرّحمة عنهم مع سعتها إنّما هو بسيّئات أعمالهم ؛ بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ﴾ ولا يقطع عنهم رحمته ، ولا ينقصهم ممّا يتعلّق بمنافعهم الدنيويّة والاخرويّة ؛ من السّمع والبصر ، والعقل والبصيرة ، واستعداد الهداية ﴿شَيْئاً﴾ ولو كان يسيرا ﴿وَلكِنَّ النَّاسَ﴾ بسيّئات أعمالهم ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيث إنّهم لانهماكهم في الشّهوات يضيّعون استعدادهم ، ويفسدون عقولهم ، ولذا يحرمون من السّعادات الاخرويّة.
ثمّ هدّد سبحانه المكذّبين المضيّعين لفطرتهم الأصليّة وعقولهم السّليمة بقوله : ﴿وَيَوْمَ﴾ يحيي الله المكذّبين و﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ فيه ، وحالهم أنّ مدّة أعمارهم في الدّنيا ، أو إقامتهم في القبور ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ولم يمكثوا فيها ﴿إِلَّا ساعَةً﴾ وزمانا قليلا ﴿مِنَ النَّهارِ﴾
قيل : إنّ الساعة كناية عن أقلّ زمان ، وتخصيصها بالنّهار لكون ساعاته أعرف حالا من ساعات اللّيل (١) .
ثمّ بالغ سبحانه في تقليل مكثهم بقوله : ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ في ذلك اليوم ؛ كما يعرف بعضهم بعضا في الدّنيا ، كأنّهم لم يفارقوا إلّا مدّة قليلة ، ثمّ ينقطع التّعارف إذا عاينوا الأهوال.
وقيل يعني : يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من الكفر والطّغيان (٢) .
قيل : إنّ استقلالهم الأعمار إنّما يكون لصرفها فيما لا نفع فيه ، أو لما يشاهدون من أهوال القيامة ، أو لطول مقامهم ووقوفهم في المحشر (٣) .
ثمّ أخبر سبحانه بغاية خسرانهم بقوله : ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ المشركون ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ وأنكروا الحشر للحساب وجزاء الأعمال ﴿وَما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿مُهْتَدِينَ﴾ إلى منافعهم ومصالحهم.
وقيل : إنّه كلام المشركين ، والمعنى : ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين وقائلين قد خسر الذين ... إلى آخره (٤) .
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ٤٩.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ١٧ : ١٠٤.
(٤) تفسير الرازي ١٧ : ١٠٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
