بالتحدّي به بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : إن كان القرآن كلام البشر ﴿فَأْتُوا﴾ أيّها المهرة في الفصاحة والبلاغة ﴿بِسُورَةٍ﴾ واحدة صغيرة ﴿مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة والحلاوة ﴿وَادْعُوا﴾ لإعانتكم على ترتيب سورة مثل القرآن ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دعوته ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ادّعاء أنّه كلام البشر ، وأنّي افتريته ، فان ما افتراه أحد من النّاس يقدر على إتيان مثله غيره ، فعجز الكلّ من عمل ، مع كثرة المهرة فيه ، دليل قاطع على أنّه من الله ، خصوصا مع تحدّي مدّعي النبوّة به.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾
ثمّ ذكّر سبحانه علّة تكذيبهم بقوله : ﴿بَلْ﴾ لشدّة النّفور عن مخالفة آبائهم في الدّين ، سارعوا إلى أن ﴿كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ ولم يعطوه حقّ النّظر ليفهموا معانيه وحقائقه ودقائقه ، ويقفوا على كنهه ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ﴾ ولم يقع بعد ﴿تَأْوِيلُهُ﴾ وما أخبر الله به من الامور المستقبلة ، ليعلموا صحّة أخباره الغيبيّة بصدق النبيّ صلىاللهعليهوآله وكتابه ﴿كَذلِكَ﴾ التّكذيب الصادر من قومك بلا تأمّل في معجزتك ﴿كَذَّبَ﴾ الامم ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أنبياءهم.
ثمّ هدّد سبحانه المكذّبين بقوله : ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمّد نظر الاعتبار ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ المكذّبين ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على أنفسهم بتعريضها للهلاك بعذاب الاستئصال ، أو بإيقاعها في أشدّ الخسران ، لأنّهم طلبوا الدّنيا وتركوا الآخرة ، فلمّا ماتوا فاتتهم الدّنيا والآخرة ، ووقعوا في أشدّ العذاب.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تهديد المكذّبين بالعذاب ، نبّه على علّة تأخيره عنهم ، وإمهالهم بقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فيما بعد ، أو في قلبه ، ويكذّب عنادا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أبدا ، لا ظاهرا ولا باطنا ، لفرط غباوته ، وقلّة تدبّره. عن الباقر عليهالسلام : هم أعداء محمّد وآل محمّد [ من ] بعده (١) . ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ والمعاندين الذين أفسدوا فطرتهم الأصليّة ؛ فيعاقبهم أشدّ العقاب.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣١٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
