والأسر ، أو الانقياد للرّسول قبل أن تنالوا بمطلوبكم ؛ من الإخلال بأمر الرّسول صلىاللهعليهوآله ، والإفساد في دينه.
ثمّ بالغ في تهديدهم بقوله : ﴿إِنَّ رُسُلَنا﴾ من الملائكة الكتبة لأعمال النّاس ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ وما تحتالون في تكذيب الآيات ، في صحائف أعمالكم ، ثمّ يعرض عليكم يوم القيامة لتزداد فضيحتكم وخزيكم.
وقيل : إن المراد أن لا يخفى على الحفظة شيء من خفيّات أعمالكم ، فكيف بالله المطّلع على السرائر (١) ؟
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ
طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾
ثمّ ذكر سبحانه أحد مصاديق الرّحمة بعد الضرّ بقوله : ﴿هُوَ﴾ القادر الرحيم ﴿الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ ويمكّنكم لقطع المسافة ﴿فِي الْبَرِّ﴾ على الأقدام ، وظهر الدوابّ ﴿وَ﴾ في ﴿الْبَحْرِ﴾ بالسّفن والزّوارق ، لنيل مقاصدكم وأنتم ذاهلون عن ألطافه ﴿حَتَّى إِذا﴾ اتّفق في التسييرات (٢) أنّكم ﴿كُنْتُمْ﴾ متمكّنين ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ والسّفن ، ثمّ عدل سبحانه عن الخطاب إلى الغيبة مبالغة في تعجيب حالهم وإنكارها عليهم ؛ بقوله : ﴿وَجَرَيْنَ﴾ تلك السّفن ﴿بِهِمْ﴾ على الماء ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليّنة ، موافقة لمقصودهم ﴿وَفَرِحُوا﴾ وسرّوا ﴿بِها﴾ لطيبها وموافقتها ، فإذا تلقّت تلك الرّيح ، أو الفلك ، و﴿جاءَتْها﴾ من الطّرف المخالف ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ شديدة ، بحيث استولت على الاولى الطيّبة ﴿وَجاءَهُمُ﴾ لشدّة الرّيح وتلاطم البحر ﴿الْمَوْجُ﴾ كالجبال ﴿مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ وجانب ﴿وَظَنُّوا﴾ لذلك ﴿أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ الهلاك وسدّت عليهم المسالك ، فارتعدت فرائصهم من الخوف ، وصاروا منقطعي الرّجاء من الخلق ، إذن ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ وتضرّعوا إليه بالفطرة ، حال كونهم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ غير مشركين به ، قائلين في دعائهم : يا ربّ ، والله ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ المهلكة
__________________
(١) تفسير البيضاوي ١ : ٤٣٢ ، تفسير روح البيان ٤ : ٣٠.
(٢) في النسخة : التيسيرات.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
