﴿لَنَكُونَنَ﴾ البتّة بعد ذلك ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لنعمك التي منها نعمة النجاة المسؤولة بتخصيصك بالعبادة والطّاعة.
روى الفخر الرّازي عن الصادق عليهالسلام أنّه قال له رجل : اذكر دليلا على إثبات الصانع ؟ فقال : أخبرني عن حرفتك ؟ فقال : أنا رجل اتّجر في البحر ، فقال : صف لي كيفيّة حالك ؟ فقال : ركبت البحر ، فانكسرت السّفينة ، وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرّياح العاصفة. فقال جعفر الصادق عليهالسلام : هل وجدت في قلبك تضرّعا ودعاء ؟ فقال : نعم ، فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرّعت إليه في ذلك الوقت (١) .
﴿فَلَمَّا أَنْجاهُمْ﴾ الله من الورطة ، وما غشيهم من الكربة ؛ إجابة لدعوتهم الخالصة ، ووجدوا السّلامة التي هي أعظم النّعم ﴿إِذا هُمْ﴾ في حال السّلامة والرّاحة ﴿يَبْغُونَ﴾ ويظلمون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ويفسدون في أقطارها - عن ابن عبّاس : يريد به الفساد والتّكذيب ، والجرأة على الله تعالى (٢) - حال كونهم متديّنين ﴿بِغَيْرِ﴾ دين ﴿الْحَقِ﴾ وهو التّوحيد ، أو حال كونهم مبطلين في بغيهم لا محقّين ؛ كما فعل النبيّ صلىاللهعليهوآله ببني قريظة ، أو مبطلين في اعتقادهم.
ثمّ وعظهم سبحانه بقوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الباغون ﴿إِنَّما﴾ يكون ﴿بَغْيُكُمْ﴾ وظلمكم ، أو إفسادكم في الأرض ، ضرر عظيم ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وجزاؤه لا حق بكم ، لا على من تبغون عليه ، أو المراد : إنّما يكون بغيكم على أمثالكم ، وأبناء نوعكم الّذين هم كأنفسكم ، فتمتّعوا ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وانتفعوا بلذّاتها ، فإنّها لا تبقى إلّا مدّة قليلة ، ثمّ تزول بسرعة ﴿ثُمَ﴾ يكون ﴿إِلَيْنا﴾ بعد الموت ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ وإلى محضر عدلنا مصيركم ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ ونخبركم ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدّنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بتعذيبكم أشدّ العذاب عليه.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال : أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم ، وأعجل الشّر عقابا البغي واليمين الفاجرة(٣).
وروي أيضا : ثنتان يعجّلهما الله في الدّنيا : البغي ، وعقوق الوالدين (٤) .
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : لو بغى جبل على جبل لاندكّ الباغي (٥) .
وعن الصادق عليهالسلام : ثلاث يرجعن على صاحبهنّ : النّكث ، والبغي ، والمكر. ثمّ تلا هذه الآية (٦) .
﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ : ٦٧.
(٢) تفسير الرازي ١٧ : ٧١.
(٣) تفسير الرازي ١٧ : ٧١.
(٤) تفسير الرازي ١٧ : ٧١ ، تفسير روح البيان ٤ : ٣٣.
(٥) تفسير الرازي ١٧ : ٧١.
(٦) تفسير العياشي ٢ : ٢٧٥ / ١٩٤٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٩٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
