أنّه كلام تقوّله من قبل نفسه ، وأنّه كاذب فيما يدّعيه من أنّه من الله (١) أو السّخرية والاستهزاء به.
عن ابن عبّاس : أنّ خمسة من الكفّار كانوا يستهزئون بالنبيّ صلىاللهعليهوآله وبالقرآن : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السّهمي ، والأسود بن المطّلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن حنظلة ، فقتل الله كلّ واحد منهم بطريق آخر ، كما قال الله : ﴿إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾(٢) ، فذكر الله أنّهم إذا تتلى عليهم آيات القرآن ، قال الّذين لا يرجون لقاءنا : إئت بقرآن غير هذا أو بدّله (٣) .
ثمّ أمر الله سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بجوابهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد للمستهزئين : ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ ولا يمكنني ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ من قبلي و﴿مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ لأنّه ليس بكلامي وكلام غيري من البشر ، بل إنّما هو كلام ربّي ، و﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ فيما أتلو عليكم ﴿إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ﴾ من قبل ربّي ، بلا تصرّف وتغيير منّي فيه ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بالتّغيير في كلامه ، أو التّبديل فيه ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فإنّ العاصي مستحقّ له ؛ ولو كان على فرض المحال أحبّ الخلق إليه.
وإنّما اقتصرّ في الجواب على بيان عدم قدرته على التّبديل ، لفهم عدم قدرته على التّغيير بالأولويّة.
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ
أَ فَلا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾
ثمّ أمره الله سبحانه بالاستدلال على عدم كون القرآن من تلقاء نفسه بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : ﴿لَوْ شاءَ اللهُ﴾ أن لا أتلو عليكم القرآن ، ما أوحاه إليّ ، و﴿ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ لعجزي عن إتيان هذا الكتاب المحتوي على العلوم الكثيرة ، وتفاصيل المبدأ والمعاد ، والمعارف والحكم والأحكام ، وتواريخ الأنبياء واممهم ، وغيرها ممّا لا يحيط به البشر ، مع إعجاز البيان بحيث لا يقدر على إتيان سورة منه جميع الفصحاء ؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، فلا بدّ من كونه بوحي الله وتعليمه ﴿وَ﴾ لو شاء ﴿لا أَدْراكُمْ﴾ وأعلمكم ، أو أنذركم ﴿بِهِ﴾ - كما عن ابن عبّاس (٤) - مع أنّكم تعلمون أنّي لا أعرف الخطّ ، وما طالعت الكتب ، وما جالست عالما قطّ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ﴾ ومكثت ﴿فِيكُمْ﴾ وبين ظهرانيكم ﴿عُمُراً﴾ طويلا ، ومدّة مديدة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ما كنت أتلوه ولا أعلمه ﴿أَ فَلا تَعْقِلُونَ﴾ وتدركون أنّ من لم يقرأ كتابا ، ولم يجالس عالما ، ولم يمارس بحثا ، لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا الكتاب العظيم الشّأن ، الفائق على الكتب السّماوية ، فلا بدّ أن يكون بتعليم الله ووحيه.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ٢٣ ، تفسير الرازي ١٧ : ٥٥ - ٥٦ ، مجمع البيان ٥ : ١٤٧.
(٢) الحجر : ١٥ / ٩٥.
(٣) تفسير الرازي ١٧ : ٥٥.
(٤) تفسير الرازي ١٧ : ٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
