﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾
ثمّ أكّد تنزّهه عن الاختلاق بإظهار علمه بغاية قبح الافتراء على الله ، وسوء عاقبته بقوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ على نفسه بتعريضها للهلاك ، وعلى غيره من النّاس بإضلالهم ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ﴾ بإسناد ما ليس له إليه ﴿كَذِباً﴾
ثمّ ساوى بين المفترين على الله والمكذّبين لآياته ، في كونهم أظلم خلق الله ، تهديدا لهم بقوله : ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ المنزلة منه ، واستهزأ بها ؛ كالمشركين المستهزئين بالقرآن.
ثمّ بالغ في تهديدهم بقوله : ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ ولا ينجو ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ من العذاب ، ولا يفوزون بمطلوب.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ
اللهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى
عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾
ثمّ لمّا كان التماسهم تغيير القرآن لتضمّنه شتم الأصنام وتحقيرها ، وبّخهم سبحانه على عبادتها بقوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ويشركون به في العبادة والخضوع ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ شيئا إن لم يعبدوه ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ قليلا إن عبدوه ، لأنّه جماد لا شعور له ولا قدرة ، واللّائق للعبادة هو الحيّ المدرك القادر على كلّ شيء ، والعجب أنّهم مع ذلك كانوا يشيرون إلى أصنامهم ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عن جهالة وسفاهة : ﴿هؤُلاءِ﴾ الأصنام ﴿شُفَعاؤُنا﴾ في مهمّاتنا وحوائجنا ﴿عِنْدَ اللهِ﴾
قيل : إنّ وجه اعتقاد المشركين شفاعة الأصنام ، أنّهم توهّموا أنّهم ليسوا أهلا لعبادة الله ، وإنّما الأهل واللّائق لها الأرواح المدبّرة لهذا العالم ، أو الكواكب المؤثّرة في المواليد ؛ كالشّمس والقمر ، وسائر السيّارات.
في ذكر مبدأ عبادة الأصنام
ثمّ لمّا كانت الأرواح غير مشاهدة ، والكواكب غاربة ، وضعوا لكلّ روح أو لكلّ كوكب صنما ، فاشتغلوا بعبادته باعتقاد أنّ ذلك الرّوح أو الكوكب يشفع لهم عند الله (١) .
وفيه : أنّ ظاهر الآيات أنّهم كانوا يعتقدون أنّ نفس الأصنام يشفعون لهم ، ويمكن أن [ يكون ] وجه اعتقاد مبدعي هذا المذهب في أوّل الأمر ذلك ، ثمّ بعد تمادي الزّمان غلب الجهل على أتباعهم ،
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ : ٥٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
