استحقاقهم نزول العذاب عليهم فيها ، والتّنبيه على علّة استحقاقهم ؛ وهي الجرأة على الله ، وكفرانهم نعمه ، بعد تنبيههم على غاية ضعفهم ، وعدم طاقتهم على تحمّل أقلّ قليل من المضارّ الدنيويّة ، فكيف بعذاب الاستئصال في الدّنيا ، وعذاب النّار في الآخرة ؟ - وعظهم سبحانه ببيان ما نزل على الامم السّابقة لكفرهم وعدم إيمانهم بالرّسل ، اعتبارا لهم بقوله : ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾ بعذاب الاستئصال ؛ كالغرق والخسف والصّيحة والصّاعقة وغيرها ﴿الْقُرُونَ﴾ والامم الذين كانوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أيّها المشركون ، وفي الأعصار السّابقة على عصركم أيّها الظّالمون ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ على أنفسهم بتعريضها للهلاك ، بسبب الإصرار على الشّرك ، وتكذيب الآيات ﴿وَ﴾ الحال أنّه قد ﴿جاءَتْهُمْ﴾ من قبل الله ﴿رُسُلُهُمْ﴾ مستدلّين على دعواهم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ والحجج الواضحات من المعجزات الباهرات ، والبراهين السّاطعات ﴿وَما كانُوا﴾ مع ذلك ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ بالله ورسله ، لشدّة قساوتهم ، ورسوخ حبّ الدّنيا في قلوبهم ، وفساد أخلاقهم ، فصاروا بحيث لا يرجى منهم الهداية ﴿كَذلِكَ﴾ الجزاء الفضيع ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ في كلّ عصر وزمان.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ أيّها المشركون في هذا العصر ﴿خَلائِفَ﴾ وأبدالا لهم في السّكونة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ والتعيّش فيها ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وبعد إهلاكهم ﴿لِنَنْظُرَ﴾ نظر الاختبار ، ونعلم بالشّهود ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في أيّام حياتكم ، أتعملون خيرا أو شرّا ؟ فنجازيكم حسب أعمالكم.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا
أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي
أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه تكذيب الامم الماضية المهلكة لرسلهم ، ذكر تكذيب مشركي مكّة للنبيّ صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ المنزلة من القرآن ، مع كونها ﴿بَيِّناتٍ﴾ وواضحات الدّلالات على صدق النبيّ ، وكونها كلام الله ﴿قالَ﴾ المشركون ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ ولا يؤمنون باليوم الآخر حتّى يخافوا من التّكذيب والاستهزاء بالقرآن : ﴿ائْتِ﴾ يا محمّد ﴿بِقُرْآنٍ﴾ آخر ﴿غَيْرِ هذا﴾ الذي أتيت به ترتيبا ونظما ومطلبا ، فإنّ فيما أتيت به ما نستبعده من أمر البعث ، وما نكرهه من ذمّ آلهتنا وتحقيرهم ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وغيّره من حيث المطلب وإن أبقيته على ما هو عليه من النّظم والتّرتيب.
وقيل : إنّ الفرق بين إتيان الغير والتّبديل أنّ المراد من الأوّل : إتيان كتاب آخر مغاير لما أتى به في المطلب ، مع إبقاء الأوّل على حاله ، ومن الثاني : تغيير ما أتى به. وعلى أيّ تقدير ، كان المقصود إظهار
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
