والحطام الدنيويّة ﴿لَقُضِيَ﴾ وادّي ﴿إِلَيْهِمْ﴾ في السّاعة ﴿أَجَلُهُمْ﴾ الذي عيّن لعذابهم ، واميتوا واهلكوا دفعة وبلا مهلة ، ولكن لا يعجّل ولا يقضى ﴿فَنَذَرُ﴾ ونترك الكفرة ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ ولا يتوقعون ﴿لِقاءَنا﴾ والحشر إلينا لجزاء أعمالهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ وعتوّهم من الكفر وإنكار الحشر ﴿يَعْمَهُونَ﴾ ويتردّدون ، إلزاما للحجّة ، أو استدراجا ، أو لطفا بهم لأجل أن يؤمنوا ، أو بمن في أصلابهم كي يخرجوا إلى الدّنيا ويوفّقوا للإيمان.
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ
مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان استحقاق الكفّار للعذاب ، بيّن أنّهم - مع غاية ضعفهم ، وقلّة طاقتهم في تحمّل مكروه من المكاره الجزئية الدّنيوية ، وتضرّعهم إلى الله ، ودفعه تعالى ذلك المكروه والضّرر عنهم - أعرضوا عنه ، وتجرّأوا عليه ، وعبدوا الأصنام ، وكفروا بنعمه بقوله : ﴿وَإِذا مَسَ﴾ وأصاب ﴿الْإِنْسانَ﴾ الشقيّ ﴿الضُّرُّ﴾ والمكروه من فقر أو مرض ، أو غيرهما من المضارّ ، جزع و﴿دَعانا﴾ لكشفه من غاية عجزه وضعفه ، وتضرّع إلينا لدفعه ، في جميع أحواله [ سواءأ ] كان ملقى ﴿لِجَنْبِهِ﴾ على الأرض ، أو مضطجعا في الفراش ﴿أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً﴾ لا يفتر عن الضّراعة في حال من حالاته.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنا﴾ ودفعنا ﴿عَنْهُ﴾ لإخلاصه في دعائه ﴿ضُرَّهُ﴾ وأزلنا عنه ما كرهه ، نسينا ، ونسي ابتلاءه وتضرّعه ، وتفضّلنا عليه ، و﴿مَرَّ﴾ ومضى على المسلك الذي كان عليه قبل تضرّره ؛ من الشّرك والطّغيان ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى﴾ كشف ﴿ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ولم نمنّ عليه بشيء من النّعم حتّى نستحقّ عليه الشّكر ﴿كَذلِكَ﴾ التّزيين الحاصل في نظير هذا الكافر لكفران النّعمة والطّغيان على المنعم ﴿زُيِّنَ﴾ من قبل النّفس والشّيطان ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ والمتجاوزين عن حدود العقل ، والمتعدّين على أنفسهم باختيار الشّرك ، والانهماك في الشّهوات ، والغفلة عن شكر المنعم ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإعراض عن الله ، ومعارضة الرّسل ، وارتكاب القبائح.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا
لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تهديد المشركين بعذاب الآخرة ، وإظهار منّته عليهم - بإمهالهم في الدّنيا مع
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
