الحكمة والصّواب من جميع خلقه ؛ ملكا كان أو نبيّا أو رسولا ، فكيف بالأصنام التي هي جمادات لا شعور لها بشيء ، ولا إدراك ؟ وأعجب من كلّ عجب أنّ المشركين كانوا يتعجّبون من أن يكون البشر رسولا ، ولا يتعجّبون من أن يكون الحجر المنحوت أو الفلزّ المصنوع بأيديهم إلها أو شفيعا عند الله.
ثمّ لمّا أثبت سبحانه كمال قدرته وحكمته وتدبيره وعظمته ، خصّ الربوبيّة والالوهيّة ، واستحقاق العبادة بذاته المقدّسة بقوله : ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف بالصّفات الكماليّة والجماليّة هو ﴿اللهُ﴾ المستحقّ للعبادة ، وهو ﴿رَبَّكُمُ﴾ ومليككم ومدبّر اموركم ، لا غيره كوكبا كان أو صنما ، أو غيرهما ، فإذا علمتم ذلك ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده ، واخضعوا له بقلوبكم وجوارحكم ، ولا تشركوا به شيئا في الربوبيّة والعبادة ﴿أَ فَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أنّ الإله والربّ لا بدّ أن يكون له تلك الصّفات ، وأنّ الأصنام بمعزل عن الالوهيّة واستحقاق العبادة.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾
ثمّ لمّا أثبت سبحانه توحيد المبدأ ، رتّب عليه المعاد بقوله : ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ومعادكم بعد خروجكم من الدّنيا ﴿جَمِيعاً﴾ بحيث لا يشذّ منكم أحد ، وهذا الوعد يكون ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ الذي يستحيل منه الخلف في وعده ، بل يحقّ ﴿حَقًّا﴾ ويثبت ثبوتا لا مجال للشكّ فيه.
ثمّ استدلّ على إمكانه بقوله : ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ ويوجد الإنسان في هذا العالم ، بلا سبق مثال ، من نطفة أمشاج ، للإيمان والعمل الصّالح ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ البتّة لقدرته على الإعادة والخلق ثانيا ، لكونه أهون عليه.
ثمّ استدلّ على وجوبه بقوله : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بوحدانيّته وبرسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ في الدّنيا ﴿بِالْقِسْطِ﴾ المقتضي لعدم تضييع أجر المحسنين ، وعدم التّسوية بينهم وبين المسيئين.
قيل : إنّ المراد : ليجزيهم بقسطهم وعدلهم (١) في حقوق أنفسهم ؛ حيث لم يظلموا عليها بالمعاصي وتعريضها للهلاك والعذاب ، وفي حقوق غيرهم من النّاس.
وإنّما لم يعيّن الجزاء تنبيها على أنّه بما يليق بلطفه وكرمه ، وكونه ممّا لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب أحد.
__________________
(١) جوامع الجامع : ١٩٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
