ثمّ لمّا أثبت سبحانه نبوّة نبيّه صلىاللهعليهوآله بتعظيم كتابه وتوصيفه بما لا يمكن أن يكون الموصوف به إلّا من الله ، أنكر على منكريه التعجّب من رسالة البشر ، أو رسالة مثل محمّد اليتيم الفقير ، بقوله : ﴿أَ كانَ لِلنَّاسِ﴾ وهم كفّار مكّة - على ما قيل (١) - ﴿عَجَباً﴾ من ﴿أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ﴾ كائن ﴿مِنْهُمْ﴾ جنسا ونسبا ، وقلنا له بالوحي : ﴿أَنْ أَنْذِرِ﴾ وخوّف ﴿النَّاسَ﴾ بالعذاب على الشّرك والعصيان ، كي يرتدعوا عنهما ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بوحدانيّة الله ورسالتك ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ وعملا صالحا ، أو ثوابا مذخورا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ومليكهم.
وعن ابن عبّاس : لهم شفاعة نبيّهم ، وهو أمامهم إلى الجنّة ، وهم بالأثر (٢) .
وعن الصادق عليهالسلام : « أنّ معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ شفاعة محمّد صلىاللهعليهوآله » (٣) .
وعنه عليهالسلام أيضا : « هو رسول الله صلىاللهعليهوآله » (٤) .
ثمّ كأنّه قال : لا مجال للعجب من رسالة البشر ، أو رسالة محمّد ، إنّما العجب في أنّه لمّا أتاهم بالمعجزات وأنذرهم ﴿قالَ الْكافِرُونَ﴾ عنادا ولجاجا : ﴿إِنَّ هذا﴾ الرّجل المدّعي للنبوّة ، الفاعل لخوارق العادات ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ ومشعبذ ظاهر.
أقول : فيه دلالة على أنّهم رأوا منه معجزة لم يمكنهم معارضته.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى
الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا
تَذَكَّرُونَ (٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد توبيخ الكفّار على إنكار رسالة الرّسول ، بيّن أنّه تعالى خالق العالم ومدبّره ، تنبيها على كمال حكمته المقتضي لبعث الرّسول واستحقاقه العبادة بقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ ومدبّر اموركم هو ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ بقدرته ﴿السَّماواتِ﴾ السّبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وما فيهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وأوقات ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ واستولى بالعلم والتّدبير ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وسرير سلطنته ، أو على جميع الموجودات ، وهو ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ وينظّم شؤون الخلق على وفق الحكمة ، ويهيّئ ما فيه صلاح كلّ شيء ، ومن تدبيره في نظام العالم إرسال الرّسول ، وإنزال الكتب ، وجعل القوانين والأحكام والثّواب والعقاب ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ﴾ في تدبيره وثوابه وعقابه ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ورضاه ؛ لأنّه تعالى أعلم بمواضع (٥)
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ٥.
(٢) تفسير روح البيان ٤ : ٦.
(٣) مجمع البيان ٥ : ١٣٤ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٩٣.
(٤) تفسير العياشي ٢ : ٢٧٤ / ١٩٤٠ ، الكافي ٨ : ٣٦٤ / ٥٥٤ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٩٣.
(٥) في النسخة : مواضع.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
