ثمّ قيل : لمّا لم يكن المقصود الأصلي في الخلق هو العذاب (١) ، غيّر سبحانه النّظم في بيان جزاء الكفّار بقوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الدّنيا بالله ووحدانيّته ورسله ﴿لَهُمْ﴾ بالاستحقاق ﴿شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وماء حار متناه [ في ] حرارته ﴿وَعَذابٌ﴾ بالنّار ﴿أَلِيمٌ﴾ غايته ﴿بِما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿يَكْفُرُونَ﴾
وقيل : إنّ نكتة تغيير النّظم ، التّنبيه على المبالغة في استحقاقهم (٢) .
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ
وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾
ثمّ لمّا كان الأهمّ إثبات المبدأ وكونه (٣) ملازما للقول بالمعاد وسائر العقائد الحقّة ، عاد إلى الاستدلال عليه بقوله : ﴿هُوَ﴾ الإله القادر ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ بقدرته ﴿الشَّمْسَ﴾ وخلقها لتكون ﴿ضِياءً﴾ للعالم ﴿وَ﴾ خلق ﴿الْقَمَرَ﴾ ليكون في اللّيل ﴿نُوراً﴾ للنّاس ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ قيل : إنّ التقدير : وقدّر مسير القمر ﴿مَنازِلَ﴾ أو قدّر القمر ذا منازل (٤) - وقيل : إنّ ضمير ﴿قَدَّرَهُ﴾ راجع إلى الكوكبين ، فاللّفظ مفرد والمعنى تثنية ، ومنازل الشّمس البروج الاثنا عشر ، ومنازل القمر ثمان وعشرون ، فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس (٥) - وذلك التّقدير ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أيّها النّاس بسيرهما في منازلهما ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ للأوقات من الأيام والشّهور ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ﴾ المذكور من الكوكبين ومنازلهما ، بسبب من الأسباب ﴿إِلَّا بِالْحَقِ﴾ والحكمة وصلاح نظام العالم ، كذلك التّفصيل البديع لتلك الآية ﴿يُفَصِّلُ﴾ ونذكر متواليا واحدا بعد واحد ، ونشرح ونبيّن ﴿الْآياتِ﴾ والدّلائل المتقنة على قدرتنا وحكمتنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ويعقلون ، أو يتفكّرون في الموجودات وحكمها ، ليطّلعوا على شؤون صانعها ، فإنّهم المنتفعون بها.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الاستدلال بخلق السّماوات والأرض والشّمس والقمر ، وفائدتهما بفائدة سير الكوكبين ، استدلّ بفائدة اخرى لسير الشّمس وبسائر الموجودات بقوله : ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ
__________________
(١) تفسير البيضاوي ١ : ٤٢٨.
(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٤٢٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٩٤.
(٣) في النسخة : ومكونه.
(٤) تفسير أبي السعود ٤ : ١٢٠ ، تفسير الرازي ١٧ : ٣٥.
(٥) تفسير أبي السعود ٤ : ١٢٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
