بأنّ لهم الجنّة ، كما بيّن ذلك في القرآن (١) .
وعلى التفسير الأوّل تكون الآية دليلا على ثبوت الأمر بالجهاد في الشّريعتين السّابقتين على الاسلام.
ثمّ أكّد سبحانه وجوب وفائه بهذا العهد بقوله : ﴿وَمَنْ﴾ يكون ﴿أَوْفى﴾ وأعمل ﴿بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ والذّات المتّصف بالالوهيّة ؛ مع كون الحكمة والعدل المقتضيين للوفاء بالعهد ، وامتناع التخلّف عنه عينها ، فإذا كان الأمر كذلك يمتنع أن يساويه أحد في الوفاء فضلا عن أن يكون أوفى منه ، إذن ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ وافرحوا غاية الفرح أيّها المؤمنون ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾ أنفسكم وأموالكم من الله بالجنّة ، وقيل : أي بالثّمن (٢)﴿الَّذِي بايَعْتُمْ﴾ أنفسكم وأموالكم ﴿بِهِ﴾ وفيه غاية التّقرير للبيع ، وإشعار بغاية الرّبح فيه ، حيث إنّه مبادلة الفاني بالباقي ، والزائل بالدائم ، مع كون البدلين له تعالى.
ثمّ قرّر ذلك بقوله : ﴿وَذلِكَ﴾ البيع ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والنّجاح الأكمل بأعلى المقاصد.
روى الخفر الرّازي عن الصادق عليهالسلام أنّه قال : « ليس لأبدانكم ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها إلّا بها»(٣) .
وروى بعض العامّة عنه عليهالسلام أنّه كان يقول : « يابن آدم اعرف قدر نفسك ، فإنّ الله عرّفك قدرك ، لم يرض أن يكون لك ثمن إلّا الجنّة » (٤) .
﴿التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
ثمّ عرّف سبحانه المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم من الله بقوله : ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الشّرك - كما عن ابن عبّاس ، أو منه ومن النّفاق ؛ كما عن بعض ، أو من كلّ معصية ؛ كما عن آخرين (٥) - و﴿الْعابِدُونَ﴾ لله المعظّمون له في السرّاء والضرّاء - وعن ابن عبّاس : الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم (٦) - و﴿الْحامِدُونَ﴾ له على كلّ حال ، الشّاكرون لنعمائه الدّنيويّة والاخرويّة ، و﴿السَّائِحُونَ﴾ وهم الصائمون - كما عن ابن عبّاس (٧) ، أو الطالبون للعلم ، السائرون في الأرض لطلبه ؛ كما عن عكرمة (٨) ، أو المجاهدون والمهاجرون ؛ كما عن بعض (٩) - و﴿الرَّاكِعُونَ﴾ لله ﴿السَّاجِدُونَ﴾ له ؛ وهم
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٢٠١.
(٢) تفسير مجمع البيان ٥ : ١١٤.
(٣) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٩.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٥١٣.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ٢٠٢.
(٦ و٧) . تفسير الرازي ١٦ : ٢٠٣.
(٨) تفسير الرازي ١٦ : ٢٠٤ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥١٩.
(٩) تفسير الرازي ١٦ : ٢٠٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
