﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي
سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (١١١)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان تخلّف المنافقين عن الغزو ، وإصرارهم على القعود عن الجهاد ، وتدبيرهم في تخريب الاسلام وذمّهم على ذلك ، بيّن فضيلة المؤمنين الخلّص (١) ، ورغّبهم في الجهاد بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الخلّص (٢) ببيعتهم ومعاهدتهم مع الرّسول صلىاللهعليهوآله على نصرته ﴿أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ كي يبذلوهما في تقوية الإسلام وترويجه ، وحفظ الرّسول صلىاللهعليهوآله ونصرته ﴿بِأَنَّ لَهُمُ﴾ بالاستحقاق في الآخرة ﴿الْجَنَّةَ﴾ ونعمها أبدا ، فهم وفاء بهذه المعاملة والمبايعة ﴿يُقاتِلُونَ﴾ الكفّار والمشركين ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وطلبا لمرضاته ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ أعداءه ﴿وَيُقْتَلُونَ﴾ في نصرة رسوله وحماية دينه.
قيل : لمّا بايعت الأنصار رسول الله صلىاللهعليهوآله ليلة العقبة الثانية بمكّة وهم سبعون - أو أربعة وسبعون - نفسا قال عبد الله بن رواحة : اشترط لربّك ولنفسك ما شئت ؟ فقال عليهالسلام : « أشترط لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك ، فماذا لنا ؟ قال : « الجنّة » ، قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت (٣) .
وفي التّعبير عن الأمر بالجهاد باشترائه أنفسهم وأموالهم ؛ مع كونه تعالى مالكهما ، غاية التلطّف في الدّعوة إليه ، والتّحريض عليه ، وإشارة إلى أنّ المؤمن مادام كونه متعلّق القلب بحياته وماله ، امتنع وصوله إلى الدّرجات العالية من القرب والنّعم الاخرويّة.
ثمّ أكّد سبحانه وعده بالجنّة بقوله : ﴿وَعْداً﴾ واجب الوفاء ﴿عَلَيْهِ﴾ تعالى وفي عهدته ﴿حَقًّا﴾ وثابتا بحيث لا يمكن تخلّفه عنه وترك وفائه به.
ثمّ لمّا كان من لوازم البيع الذي يكون ثمنه مؤجلا أن يكتب في كتاب ، أخبر سبحانه عن الكتاب الذي كتب هذا البيع فيه بقوله : ﴿فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ والتّقدير : أنّه يثبت فيهما ﴿وَ﴾ في ﴿الْقُرْآنِ﴾
وقيل : إنّ المراد أنّه تعالى ذكر في التّوراة والإنجيل أنّه اشترى من امّة محمّد صلىاللهعليهوآله أنفسهم وأموالهم ،
__________________
(١ و٢) في النسخة : الخلّصين.
(٣) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٩ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥١٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
