نكره الصّلاة في غير جماعة ، ويصعب علينا الحضور ، وقد بنينا مسجدا ، فإن رأيت أن تقصده وتصلّي فيه لنتيمّن ونتبرّك بالصّلاة في موضع مصلّاك ، فلم يعرّفهم رسول الله صلىاللهعليهوآله ما عرّفه الله من أمرهم ونفاقهم ، فقال : ائتوني بحماري ، فأتي بيعفور فركبه يريد مسجدهم ، فكلّما بعثه هو وأصحابه لم ينبعث ولم يمشي ، فإذا صرف رأسه عنه إلى غيره سار أحسن سيره وأطيبه ، قالوا : لعلّ الحمار رأى من الطريق شيئا كرهه ولذلك لا ينبعث نحوه.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : ائتوني بفرس فركبه ، فلمّا بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث ، وكلّما حرّكوه نحوه لم يتحرّك ، حتّى إذا فتلوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير ، فقالوا : لعلّ هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق ، فقال صلىاللهعليهوآله : تعالوا نمش إليه ، فلمّا تعاطى هو ومن معه المشي نحو المسجد جثوا في مواضعهم ولم يقدروا على الحركة ، فإذا همّوا بغيره من المواضع خفّت حركاتهم ، وخفّت أبدانهم ونشطت قلوبهم ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : هذا أمر قد كرهه الله ، وليس يريده الآن وأنا على جناح سفر ، فأمهلوا حتّى أرجع إن شاء الله ، ثمّ أنظر في هذا نظرا يرضاه الله.
وجدّ في العزم على الخروج إلى تبوك ، وعزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا ، فأوحى الله تعالى إليه : يا محمّد ، العلي الأعلى يقرئك السّلام ، ويقول : إمّا أن تخرج أنت ويقيم عليّ ، وإمّا أن يخرج عليّ وتقيم أنت ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : ذلك لعليّ ، فقال علي عليهالسلام : السّمع والطّاعة لأمر الله وأمر رسوله ، وإن كنت أحبّ أن لا أتخلّف عن رسول الله في حال من الأحوال.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. قال : رضيت يا رسول الله ، فقال له رسول الله : يا أبا الحسن ، إنّ [ لك ] أجر خروجك معي في مقامك في المدينة ، وإنّ الله قد جعلك امّة وحدك ، كما جعل إبراهيم امّة ، تمنع جماعة المنافقين والكفّار هيبتك عن الحركة على المسلمين.
فلمّا خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله وشيّعه عليّ عليهالسلام ، خاض المنافقون وقالوا : إنّما خلّفه محمّد بالمدينة لبغضه له وملاله منه ، وما أراد بذلك إلّا أن يبيّته المنافقون فيقتلوه. فاتّصل ذلك برسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقال عليّ عليهالسلام : أتسمع ما يقولون يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : أما يكفيك أنّك جلدة ما بين عيني ، ونور بصري ، وكالرّوح في بدني.
ثمّ سار رسول الله صلىاللهعليهوآله بأصحابه ، وأقام عليّ عليهالسلام بالمدينة ، فكان كلّما دبّر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من عليّ عليهالسلام وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك ، وجعلوا يقولون فيما بينهم : هي كرّة محمّد التي لا يؤوب منها ... إلى أن عاد رسول الله صلىاللهعليهوآله غانما ظافرا ، وأبطل الله
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
