النبيّ صلىاللهعليهوآله لأهل المدينة قبل هجرته إليها ، فلمّا هاجر إليها وآمن به أهلها ، تركوا صحبة أبي عامر (١) ، فحسد النبيّ صلىاللهعليهوآله وقال له : ما هذا الدّين الذي جئت به ؟ قال : « دين إبراهيم الخليل » . قال : لا والله ، ليس ذلك. فقال النبيّ : « بل جئت بها بيضاء نقيّة » . فقال أبو عامر : أمات الله من [ هو ] كاذب منّا طريدا وحيدا غريبا. فقال النبي صلىاللهعليهوآله : « آمين » ، فهرب بعد غزوة بدر ولحق بكفّار مكّة(٢).
وعن تفسير الإمام عليهالسلام : « أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل ، وكان ملك النواحي ، له مملكة عظيمة ممّا يلي الشام ، وكان يهدّد رسول الله صلىاللهعليهوآله بقصده وقتل أصحابه ، وكان أصحاب رسول الله خائفين وجلين من قبله ... ثمّ إنّ المنافقين اتّفقوا وبايعوا لأبي عامر الرّاهب الذي سمّاه رسول الله صلىاللهعليهوآله الفاسق ، وجعلوه أميرا عليهم ، وبخعوا له بالطّاعة ، فقال لهم : الرأي أن أغيب عن المدينة لئلّا اتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم ، وكاتبوا أكيدر صاحب دومة الجندل ليقصد المدينة (٣) .
فأوحى الله إلى محمّد صلىاللهعليهوآله وعرّفه ما أجمعوا عليه من أمره ، وأمره بالمسير إلى تبوك ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله كلّما أراد غزوا ورّى بغيره إلّا غزوة تبوك ، فإنّه أظهر ما كان يريده ، وأمر أن يتزوّدوا لها ، وهي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون ، وذمّهم الله في تثبطهم عنها ، وأظهر رسول الله صلىاللهعليهوآله ما اوحي إليه أنّ الله سيظهره بكيدر - أو أكيدر - حتّى يأخذه ويصالحه على ألف اوقّية من ذهب في رجب ومائتي حلّة ، وألف أوقيّة في صفر ومائتي حلّة ، وينصرف سالما إلى ثمانين يوما ، وقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة ، وأنا أعدكم ثمانين ليلة ، ثمّ أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب تكون ، ولا يستأسر أحد من المؤمنين. فقال المنافقون : لا والله ، ولكنّها آخر كرّاته [ التي ] لا ينجبر بعدها ، إنّ أصحابه ليموت بعضهم في الحرّ ورياح البوادي ومياه المواضع المؤذية الفاسدة ، ومن سلم من ذلك فبين أسير في [ يد ] أكيدر ، وقتيل وجريح.
واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها ؛ بعضهم يعتلّ بالحرّ ، وبعضهم بمرض في جسده ، وبعضهم بمرض عياله ، وكان يأذن لهم.
فلمّا صحّ عزم رسول الله صلىاللهعليهوآله على الرّحلة إلى تبوك ، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجد ضرار ، يريدون الاجتماع فيه ، ويوهمون أنّه للصّلاه ، وإنّما كان ليجتمعوا فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم وتقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون.
ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله وقالوا : يا رسول الله ، إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك ، وإنّا
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٥.
(٢) تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٦.
(٣) زاد في المصدر : ليكونوا هم عليه ، وهو يقصدهم فيصطلموه.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
