وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم ، ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلمّا انهزمت هوازن خرج إلى الشّام وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا ، فإنّي ذاهب إلى قيصر وآت من عنده بجند فاخرج محمدا وأصحابه. فبنوا هذا المسجد ، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلّي بهم في ذلك المسجد (١) .
وعن ( الجوامع ) قال : روي أنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قبا ، وصلّى فيهم رسول الله صلىاللهعليهوآله حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف ، وقالو : نبني مسجدا نصلّي فيه ولا نحضر جماعة محمّد. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا ، وقالوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله وهو يتجهّز إلى تبوك : إنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه ، فقال : « إنّي على جناح سفر » . ولمّا انصرف من تبوك نزلت الآية ، فأرسل من هدم المسجد وأحرقه ، وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة (٢) .
ثمّ أخبر الله تعالى بنفاق البانين للمسجد بقوله : ﴿وَلَيَحْلِفُنَ﴾ بالله للرّسول صلىاللهعليهوآله عند سؤاله عن علّة بنائه ﴿إِنْ أَرَدْنا﴾ وما قصدنا ببنائه ﴿إِلَّا﴾ الفعلة أو الخصلة أو الإرادة ﴿الْحُسْنى﴾ من الصّلاة والتّوسعة على ضعفاء المؤمنين وقيل : إنّهم قالوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة ، والشيخ الفاني ، واللّيلة الممطرة ، واللّيلة الشّاتية (٣) . فردّ الله سبحانه عليهم ، وكذّب قولهم وحلفهم بقوله : ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فيما يقولون.
عن القمّي قال : كان سبب نزولها أنّه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فقالوا : يا رسول الله ، أتأذن لنا أن نبني مسجدا في بني سالم للعليل واللّيلة الممطرة ، والشيخ الفاني ؟ فأذن لهم رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو على جناح الخروج إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله ، لو أتيتنا وصلّيت فيه ، فقال : « أنا على جناح السّفر ، فإذا وافيت - إن شاء الله - أتيته فصلّيت فيه » .
فلمّا أقبل رسول الله صلىاللهعليهوآله من تبوك نزلت هذه [ الآية ] في شأن المسجد وأبي عامر الرّاهب ، وقد كانوا حلفوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله أنّهم يبنون ذلك للصّلاح والحسنى ، فأنزل الله على رسوله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني : أبا عامر الرّاهب ، كان يأتيهم ويذكر رسول الله صلىاللهعليهوآله وأصحابه (٤) .
قيل : إنّه كان من أشراف قبيلة الخزرج ، وكان له علم بالتّوراة والإنجيل (٥) . وكان يذكر صفات
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٣.
(٢) جوامع الجامع : ١٨٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧٥.
(٣) تفسير البيضاوي ١ : ٤٢٠ ، تفسير الرازي ١٦ : ١٩٤.
(٤) تفسير القمي ١ : ٣٠٥ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧٥.
(٥) تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
