ثمّ بشّر سبحانه المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان برضائه عنهم بقوله : ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ بقبول طاعتهم وأعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما نالوا من نعمه الدّنيويّة والاخرويّة.
قال الفخر الرّازي : فإذا ثبت هذا يعني كون أبي بكر من السّابقين إلى الهجرة ، صار محكوما عليه بأنّه رضي الله عنه ورضي هو عنه ، وذلك في أعلى الدّرجات من الفضل ، فاذا ثبت هذا وجب أن يكون إماما حقّا بعد الرّسول ، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحقّ اللّعن والمقت ، وذلك ينافي مثل هذا التّعظيم ، فصارت هذه الآية من أدلّ الدلائل على فضل أبي بكر وعمر ، وصحّة إمامتهما.
ثمّ أورد على نفسه : بأنّه لم قلتم أنّه بقي على تلك الحالة ، ولم لا يجوز أن يقال أنّه تغيّر عن تلك الحالة ، وزالت عنه تلك الفضيلة ، بسبب إقدامه على الإمامة (١) .
ثمّ أجاب عنه : بأنّ قوله تعالى : ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يتناول جميع الأوقات والأحوال ؛ بدليل أنّه لا وقت ولا حال إلّا ويصحّ استثناؤه منه ، فيقال : ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ إلّا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللّفظ (٢) .
أقول : فيه أنّ الظاهر من الآية رضاؤه تعالى عنهم في أوّل إيمانهم وهجرتهم ، وإنّه باق ما لم يصدر منهم ما يوجب الغضب والسّخط ، ولو لا ذلك لزم القول برضائه تعالى عن عمر وعثمان حين فرارهما من الزّحف يوم احد ، وكون فرارهما حقّا ، ولازم ذلك كون ثبات الرّسول صلىاللهعليهوآله فيه باطلا ، وعن جميع الصّحابة حين مخالفتهم الرّسول صلىاللهعليهوآله ومعارضتهم له يوم الحديبية.
ومع القول بذلك لا معنى لقوله تعالى : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾(٣) لأنّ رضاءه حصل ولم يزل ، فكان الإخبار بحدوثه بعد البيعة إخبارا بحصول ما كان حاصلا ، ولزم القول برضائه تعالى عن الزّبير حين خروجه من بيت أمير المؤمنين عليهالسلام بالسّيف ، يوم اجتماع النّاس على بابه لإخراجه إلى بيعة أبي بكر ، وكونه حقّا ، فكانت إمامة أبي بكر وبيعته باطلتين.
وأيضا لزم كون قتال طلحة والزّبير مع أمير المؤمنين عليهالسلام حقّا ، ولا يقول به مسلم ، وكون تخلّف كثير من الصّحابة والسّابقين الأوّلين - كسعد بن عبادة وأضرابه ، عن بيعة أبي بكر ، واجتماعهم على قتل عثمان - حقّا ، فكانت (٤) إمامة أبي بكر وعثمان باطلة خصوصا بناء على ما قاله أكثر مفسّري العامّة من أنّ الآية تتناول جميع الصّحابة ؛ لأنّ جميعهم موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنّسبة إلى سائر المسلمين (٥) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ١٦٩.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ١٧٠.
(٣) الفتح : ٤٨ / ١٨.
(٤) في النسخة : فكان.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ١٧١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
