الفقراء ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ على أنفسهم في السّفر لشدّة فقرهم ﴿حَرَجٌ﴾ وبأس في التخلّف عن السّفر والغزو ، ولكن ذلك ﴿إِذا نَصَحُوا﴾ وأخلصوا قلوبهم وأعمالهم ﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ولم يغشّوا الرّسول والمؤمنين لأنّهم المحسنون في أعمالهم ، و﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ من أهل الإيمان شيء ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من العقاب والعتاب ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم ، يثيبهم على إيمانهم وإحسانهم أفضل الثواب ﴿وَلا﴾ حرج أيضا ﴿عَلَى﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ وحضروا عندك والتمسوا منك ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ على مركوب ، يطيقون السير معك ، مع وجدانهم النّفقة على أنفسهم ، وأنت ﴿قُلْتَ﴾ في جوابهم : إنّي ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فلمّا يئسوا منك ﴿تَوَلَّوْا﴾ ورجعوا من عندك ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ وتسيل ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ كأنّ كلّها دمع فائض ﴿حَزَناً﴾ على حرمانهم من الجهاد لأجل ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ من المال مقدار ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في شراء المركوب.
قيل : الفقراء الذين لم يجدوا ما ينفقون على أنفسهم هم مزينة وجهينة وبنو عذرة (١) ، والذين لم يجدوا ما يحملون عليه سبعة من الأنصار ، فإنّهم أتوا رسول الله صلىاللهعليهوآله فقالوا : نذرنا الخروج ، فاحملنا على الخفاف المرقوعة (٢) والنّعال المخصوفة ، فنغزو معك ، فقال : « لا أجد » ، فتولّوا وهم يبكون (٣) .
وعن ابن عبّاس : سألوه أن يحملهم على الدّوابّ ، فقال صلىاللهعليهوآله : « لا أجد ما أحملكم عليه » لأنّ الشّقّة بعيدة ، والرّجل يحتاج إلى بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده (٤) .
عن القمّي رحمهالله : جاء البكّاؤن إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله وهم سبعة نفر ؛ من بني عمرو بن عوف : سالم بن عمير ، قد شهد بدرا لا اختلاف فيه ، ومن بني واقف : هرمي (٥) بن عمير ، ومن بني حارثة : علبة (٦) بن زيد ، وهو الذي تصدّق بعرضه (٧) ، وذلك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله أمر بالصّدقة ، فجعل النّاس يأتون بها ، فجاء علبة فقال : يا رسول الله ، ما عندي ما أتصدقّ به ، وقد جعلت عرضي حلّا ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : قد قبل الله صدقتك. ومن بني مازن بن النّجار : أبو ليلى عبد الرّحمن بن كعب ، ومن بني سلمة (٨) : عمرو (٩)
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٤٨٤.
(٢) في النسخة : المدبوغة.
(٣) تفسير أبي المسعود ٤ : ٩٢ ، تفسير روح البيان ٣ : ٤٨٥.
(٤) تفسير الرازي ١٦ : ١٦٢.
(٥) في النسخة : حرمي ، وفي المصدر : هدمي ( هرمي خ ل ) ، وقد اختلف في اسم أبيه أيضا ، ففي أسد الغابة : هرمي بن عبد الله ، وفي طبقات ابن سعد ومغازي الواقدي : هرمي بن عمرو. راجع : أسد الغابة ٥ : ٥٨ ، طبقات ابن سعد ٢ : ١٦٥ ، مغازي الواقدي ٣ : ٩٩٤.
(٦) في النسخة والمصدر : علية ، تصحيف ، راجع : اسد الغابة ٥ : ١٠ ، طبقات ابن سعد ٢ : ١٦٥ ، مغازي الواقدي ٣ : ٩٩٤. (٧) تصدّقت بعرضه ، أي تصدّق بعرضه على من ذكره بما يرجع إليه عيبة.
(٨) في النسخة : بني سلمى ، وما أثبتناه من المصدر واسد الغابة ٤ : ١٢٣ ، وطبقات ابن سعد ٢ : ١٦٥ ، ومغازي الواقدي ٣ : ٩٩٤.
(٩) في النسخة : عمر ، وما أثبتناه من المصدر والمصادر المتقدمة ، وقد وقع الاختلاف في اسم أبيه ، ففي المصدر : - غنمة (عتمة خ ل) ، وفي اسد الغابة : غنمة ، وفي طبقات ابن سعد : عنمة ، وفي مغازي الواقدي : عتبة.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
