الرحمن الرحيم﴾ * ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ ليلة العقبة » (١) .
عن القمّي : نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردّوا هذا الأمر في بني هاشم ، فهي [ كلمة] الكفر ، ثمّ قعدوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله في العقبة ، وهمّوا بقتله ، وهو قوله : ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾
وقال في موضع آخر : فلمّا أطلع الله نبيّه صلىاللهعليهوآله وأخبره ، حلفوا له أنّهم لم يقولوا ولم يهمّوا به ، حتّى أنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ...﴾ الآية (٢) .
ثمّ بيّن الله أنّ حقّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أن يشكروه لا أن يهمّوا بقتله ، بقوله : ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما كرهوا شيئا ﴿إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه ، بسبب الغنائم والعطايا ، وهذا موجب للمحبّة والشّكر ، لا العداوة والكفر.
قيل : إنّهم كانوا حين قدوم رسول الله صلىاللهعليهوآله المدينة في غاية شدّة العيش ؛ لا يركبون الخيل ، ولا يحوزون الغنيمة ، فأثروا بالغنائم وكثرت أموالهم (٣) .
وقيل : كان أحدهم يبيع الرؤوس ، وآخر يبيع الكراع ويفتل القرامل (٤) .
وقتل للجلاس مولى ، فأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله بديته اثني عشر ألف درهم ، فاستغنى (٥) .
وقيل : الضمير في ﴿أَغْناهُمُ﴾ للمؤمنين ، أي غاظهم إغناؤه للمؤمنين (٦) .
ثمّ استعطف قلوبهم ودعاهم إلى التّوبة بقوله : ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من كفرهم ونفاقهم ﴿يَكُ﴾ ذلك التوب ﴿خَيْراً لَهُمْ﴾ وأنفع في الدّنيا والآخرة ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ ويعرضوا عن قبول الإسلام والتّوبة خالصة (٧) لله ، واستمرّوا على ما هم عليه من الكفر والنّفاق والغدر ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل والأسر ونهب الأموال - وقيل : عند الموت (٨) ، وقيل : في القبر (٩) - ﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بالنّار وغيرها من أنواع العذاب المعدّ للكفّار ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بسعتها وتباعد أقطارها ، وكثرة أهلها ﴿مِنْ وَلِيٍ﴾ يحفظهم منه بالشّفاعة ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ينجيهم منه بالقدرة والقوة.
روي أنّه لمّا تلا رسول الله صلىاللهعليهوآله الآية على المنافقين ، قال بعضهم : يا رسول الله ، لقد عرض الله عليّ التوبة ، والله لقد قبلت فتاب (١٠) .
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ : ٢٤٦ / ١٨٥٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٦٠.
(٢) تفسير القمي ١ : ٣٠١ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٨.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ٤٦٨.
(٤) تفسير الصافي ٢ : ٣٦٠ ، والقرامل : جمع القرمل ، وهو ضفائر من شعر أو غيره تصل بها المرأة شعرها.
(٥ و٦) . تفسير روح البيان ٣ : ٤٦٨.
(٧) فى النسخة : خالصا.
(٨ و٩) . تفسير الرازي ١٦ : ١٣٧.
(١٠) تفسير روح البيان ٣ : ٤٦٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
