﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ *
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٥) و (٧٦)﴾
ثمّ بيّن الله أنّ غدر المنافقين لا يختصّ بالنبيّ والمؤمنين ، بل يجاهرون بالغدر بالله ومخالفة عهده بقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ عهدا مؤكّدا بالحلف ، حيث قال : والله ﴿لَئِنْ آتانا﴾ الله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وخزائن رحمته مالا ﴿لَنَصَّدَّقَنَ﴾ ولنؤدّينّ حقوقه الواجبة ﴿وَلَنَكُونَنَ﴾ البتّة ﴿مَنْ﴾ المؤمنين ﴿الصَّالِحِينَ﴾ الملتزمين بالعمل بأحكام الله. عن ابن عبّاس : يريد الحجّ (١)﴿فَلَمَّا آتاهُمْ﴾ الله وأعطاهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وكرمه مالا ، منعوا حقّ الله ، و﴿بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا عن الوفاء بعهدهم (٢) مع الله ﴿وَهُمْ﴾ قوم عادتهم أنّهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن طاعة الله وجميع العهود.
عن ابن عبّاس : أنّ حاطب بن أبي بلتعة ، أبطأ عنه ماله بالشّام. فلحقه شدّة ، فحلف بالله وهو واقف في بعض مجالس الأنصار : لئن آتانا من فضله لأصدّقن ولأؤدّينّ منه حقّ الله (٣) .
في حكاية ثعلبة بن حاطب
وروي أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان ملازما لمسجد الرّسول ليلا ونهارا ، وكان يلقّب لذلك حمامة المسجد ، وكانت جبهته كركبة البعير من كثرة السّجود على الأرض والحجارة المحماة بالشّمس ، ثمّ جعل يخرج من المسجد كلّما فرغ رسول الله صلىاللهعليهوآله من الفجر بالجماعة من غير لبث واشتغال بالدّعاء ، فقال صلىاللهعليهوآله له يوما : « ما لك [ صرت ] تعمل عمل المنافقين بتعجيل الخروج ؟ » فقال : يا رسول الله ، إنّي في غاية الفقر بحيث أنّ لي ولا مرأتي ثوبا واحدا ، وهو الذي عليّ وأنا اصلّي فيه وهي عريانة في البيت ، ثمّ أعود إليها فأنزعه وهي تلبسه وتصلّي فيه ، فادع الله أن يرزقني مالا ، فقال صلىاللهعليهوآله : « ويلك يا ثعلبة ، قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه » . فراجعه ، فقال صلىاللهعليهوآله : « أما ترضى أن تكون مثل نبيّ الله ، فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضّة لسارت ، ولكن أعرف أنّ الدّنيا حظّ من لا حظّ له ، وبها يغترّ من لا عقل له » . فراجعه وقال : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحقّ نبيّا ، لو دعوت الله أن يرزقني مالا لأؤدّينّ كلّ ذي حقّ حقّه ، فقال صلىاللهعليهوآله : « اللهمّ ارزق ثعلبة مالا » - ثلاث مرّات.
فاتّخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود حتّى ضاقت بها أزقّة المدينة ، فنزل واديا حتّى فاتته الجماعة ، لا يصلّي بالجماعة إلّا الظّهر والعصر ، ثمّ نمت وكثرت فتنحّى مكانا بعيدا حتّى انقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل رسول الله صلىاللهعليهوآله عنه ، فقيل : كثر ماله حتّى لا يسعه واد ، فخرج بعيدا ، فقال صلىاللهعليهوآله : « ويح ثعلبة » .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٤٦٩.
(٢) في النسخة : بعهده.
(٣) تفسير الرازي ١٦ : ١٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
