أسرارهم ولا يهتك أستارهم رفقا بهم وترحّما عليهم.
ثمّ هدّدهم الله سبحانه بقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ بالقول أو الفعل ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
ثمّ قيل : إنّ المنافقين كانوا يتكلّمون بالمطاعن ، ثمّ يأتون المؤمنين فيعتذرون إليهم ، ويؤكّدون معاذيرهم بالأيمان الفاجرة ليعذرهم ويرضوا عنهم ، فذمّهم سبحانه ولامهم بفعلهم بقوله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ هؤلاء المنافقين ﴿لَكُمْ﴾ أيّها المؤمنون على أنّهم ما قالوا ما نقل إليكم من الطّعن في النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وما يورث أذيّته ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ باعتذارهم وحلفهم عن أنفسهم ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ﴾ أولى و﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ عن أنفسهم بالتّوبة ممّا ارتكبوه من الطّعن والإيذاء - وفي إفراد ضمير ﴿يُرْضُوهُ﴾ دلالة على أنّ المقصود بالذّات رضى الله ، ورضى الرّسول تبع ولازم له - ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بهما واقعا كما ادّعوا.
القمّي : نزلت في المنافقين الّذين كانوا يحلفون للمؤمنين أنّهم منهم ، لكي يرضى عنهم المؤمنون(١).
﴿أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ
الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي
قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا
نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٣) و (٦٥)﴾
ثمّ وبّخهم الله على إيذائهم الرّسول صلىاللهعليهوآله ، وإصرارهم على النّفاق بقوله : ﴿أَ لَمْ يَعْلَمُوا﴾ بعد مبالغة الرّسول صلىاللهعليهوآله في دعوتهم وتعليمهم ووعظهم مدّة مديدة ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ويعارضهما بالعصيان والطّغيان ؛ فيخالف الله (٢) - كما عن ابن عبّاس - ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ بالاستحقاق غير القابل للعفو ﴿نارَ جَهَنَّمَ﴾ حال كونه ﴿خالِداً﴾ ودائما ﴿فِيها﴾ ومن الواضح أنّ ﴿ذلِكَ﴾ الخلود في النّار هو ﴿الْخِزْيُ﴾ والذلّ ﴿الْعَظِيمُ﴾ والنّدامة الشّديدة.
ثمّ أنّه روى القمّي : أنّه كان [ قوم ] من المنافقين لمّا خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى تبوك يتحدّثون فيما بينهم ، ويقولون : أيرى محمّد أن حرب الرّوم مثل حرب غيرهم ، لا يرجع منهم أحد أبدا ، فقال بعضهم : ما أخلقه أن يخبر الله محمّدا بما كنّا فيه ، وبما في قلوبنا وينزل [ عليه ] بهذا قرآنا يقرأه النّاس !
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ١٢٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
