وعن ابن عبّاس : أنّ جماعة من المنافقين ذكروا النبيّ صلىاللهعليهوآله بما لا ينبغي من القول ، فقال بعضهم : لا تفعلوا ، فإنّا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد : بل نقول ما شئنا ، ثمّ نذهب إليه ونحلف أنّا ما قلنا فيقبل قولنا ، وإنّما محمّد اذن سامعة. فنزلت (١) .
وعن القمّي قال : كان سبب نزولها أنّ عبد الله بن نفيل كان منافقا ، وكان يقعد إلى جنب رسول الله صلىاللهعليهوآله فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينمّ عليه ، فنزل جبرئيل على رسول الله صلىاللهعليهوآله فقال : يا محمد ، إنّ رجلا من المنافقين ينمّ عليك وينقل حديثك إلى المنافقين ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « من هو ؟ » فقال : الرجل الأسود ، الكثير شعر رأسه ، ينظر بعينين كأنّهما قدران ، وينطق بلسانه الشّيطان (٢) ، فدعاه رسول الله صلىاللهعليهوآله فأخبره ، فحلف أنّه لم يفعل ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « قد قبلت منك فلا تقعد » فرجع إلى أصحابه فقال : إنّ محمّدا اذن ، أخبره الله أنّي أنمّ عليه وأنقل أخباره فقبل ، وأخبرته أنّي لم أفعل فقبل. فأنزل الله على نبيّه [ الآية ] ، الخبر (٣) .
قيل : أظهر الله للمنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسترونها لتكون حجّة للرّسول ، ولينزجروا ، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ ثمّ قال : ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ ثمّ قال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾(٤) إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب ، وفي كلّ ذلك دلائل على كونه نبيّا حقّا(٥) .
ثمّ أمر الله سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بردّهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمّد : نعم ، هو اذن ، ولكن ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ فإنّ من يسمع العذر فيقبله خير ممّن لا يقبله ؛ لأنّ قبول العذر من الكرم وحسن الخلق ، فحمل سبحانه كلام النّاس الصادر منهم على جهة الذّمّ على المدح.
ثمّ فسّر الله سبحانه اذن الخير بقوله : ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ ويصدّق وحدانيّته وجميع ما أنزل منه إليه ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويصدّقهم فيما يقولون ، لكونه نافعا لهم حيث يقبل معاذيرهم ، ويتغافل عن جهالاتهم ، ولا يؤاخذهم بما يعلم.
القمّي : ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يصدّق الله فيما يقوله له ، ويصدّقك فيما تعتذر إليه في الظّاهر دون الباطن ، وقوله : ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني : للمقرّين بالإيمان من غير اعتقاد (٦) .
عن الصادق عليهالسلام : « يعني يصدّق الله ويصدّق المؤمنين ؛ لأنّه كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين » (٧).
﴿وَ﴾ هو ﴿رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ في الظّاهر ، وإن كانوا كافرين في الباطن ، حيث لا يكشف
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ١١٦.
(٢) في المصدر : بلسان شيطان.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٣.
(٤) التوبة : ٩ / ٧٥.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ١١٦.
(٦) تفسير القمي ١ : ٣٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٣.
(٧) تفسير العياشي : ٢ : ٢٤١ / ١٨٥١ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
