وقالوا هذا على [ حدّ ] الاستهزاء (١) .
فأخبر الله بذلك وهدّدهم بقوله : ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ﴾ ويحترزون (٢) من اطّلاع المؤمنين على نفاقهم بسبب ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ من الله ﴿سُورَةٌ﴾ وقطعة من القرآن ، تخبر المؤمنين ، و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ تلك السّورة ﴿بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الشّرك والنّفاق والاستهزاء بالرّسول صلىاللهعليهوآله ؛ فتفضحهم بين المؤمنين ، وتهتك أستارهم ، ويحتمل رجوع جميع الضمائر إلى المنافقين ؛ لأنّ السّورة إذا نزلت في شأنهم فهي نازلة عليهم ، وهي بمضمونها تقول لهم : إنّ في قلوبكم كذا وكذا ، وتذيع أسرارهم.
ثمّ أمر الله النبيّ صلىاللهعليهوآله بتهديدهم بقوله : ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمّد : ﴿اسْتَهْزِؤُا﴾ بي وبديني وكتابي ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ﴾ من الكمون إلى البروز ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ منه من نزول سورة فاضحة لكم.
وفي رواية القمّي : قال النبيّ صلىاللهعليهوآله لعمّار بن ياسر : « الحق القوم ، فإنّهم قد احترقوا » ، فلحقهم عمّار فقال : ما قلتم ؟ قالوا : ما قلنا شيئا ، إنّما [ كنّا ] نقول شيئا على حدّ اللّعب والمزاح. فنزلت ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾(٣) ، عمّا قالوا ﴿لَيَقُولُنَ﴾ في الجواب : ﴿إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ﴾ في الكلام ، ونتحدّث لقطع الطريق بالحديث ، كما هو دأب الرّكب ، ﴿وَنَلْعَبُ﴾ كما يلعب الصّبيان.
وروي أنّ رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك : ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوبا ، ولا أكذب ألسنا ، ولا أجبن عند اللّقاء - يعني : رسول الله صلىاللهعليهوآله والمؤمنين - فقال واحد من الصّحابة : كذبت ولأنت منافق ، ثمّ ذهب ليخبر رسول الله صلىاللهعليهوآله فوجد القرآن قد سبقه ، فجاء ذلك الرّجل إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله وكان قد ركب ناقته ، فقال : يا رسول الله ، إنّا كنّا نلعب ونتحدّث بحديث الرّكب نقطع به الطّريق ، وكان يقول : إنّما كنّا نخوض ونلعب ، الخبر (٤) .
وروي أنّه لمّا سار رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى تبوك ، قال المنافقون : أتراه يظهر على الشام ويأخذ حصونها وقصورها ؛ هيهات هيهات ، فعند رجوعه دعاهم فقال : أنتم القائلون كذا وكذا ؟ فقالوا : ما كان ذلك بالجدّ في قلوبنا ، إنّما كنّا نخوض ونلعب (٥) .
وروي أنّ المتخلّفين عن رسول الله صلىاللهعليهوآله سئلوا عمّا كانوا يصنعون ، وعن سبب تخلّفهم ، فقالوا هذا القول (٦) ، فأمر الله رسوله بتوبيخهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمّد : ﴿أَ بِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.
(٢) في النسخة : ويحرزون.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٠٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.
(٤) تفسير الرازي ١٦ : ١٢٢.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ١٢٢.
(٦) تفسير الرازي ١٦ : ١٢٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
