شهرا من الحلال إلّا أحلّوا مكانه شهرا آخر من الحرام ، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله (١) .
ثمّ نسب سبحانه هذا النسيء المضاف إلى الكفر إلى تزيين الشّيطان بقوله : ﴿زُيِّنَ لَهُمْ﴾ بتسويلات الشّيطان ﴿سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ وقبح أفعالهم ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي﴾ إلى خير ، ولا يوصل إلى صلاح ﴿الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى
الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ
إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ
شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان عقائدهم السيّئة وأعمالهم الشّنيعة ، حثّ المؤمنين على قتالهم بإنكار التّثاقل والتّواني عليهم فيه ؛ بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ﴾ من العذر والحالة المانعة عن الامتثال ﴿إِذا قِيلَ لَكُمُ﴾ من قبل الله والرسول ﴿انْفِرُوا﴾ واخرجوا جميعا إلى الجهاد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وطلبا لمرضاته ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ وتباطأتم كأنّكم لثقل أبدانكم متمائلون ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ مخلدين فيها حبّا للحياة ، وطلبا للرّاحة ، وكراهة لمشاقّ السّفر ، وخوفا من العدوّ ﴿أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ واطمأنتم إليها ، وسكنت قلوبكم إلى شهواتها ونعيمها ، بدلا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ونعيمها الدائم (٢)﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولذائذها ونعمها ﴿فِي﴾ جنب لذائذ ﴿الْآخِرَةِ﴾ ونعيمها ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ غير معتدّ به عند العقل والعقلاء.
عن ابن عبّاس : أنّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنّه لمّا رجع [ النبيّ صلىاللهعليهوآله ] من الطّائف أقام بالمدينة ، وأمر بجهاد الرّوم ، وكان ذلك الوقت زمان شدّة الحرّ ، وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الرّوم وهابوه. فنزلت (٣) .
وفي ( الجوامع ) : كان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر ، بعد رجوعهم من الطّائف ، استنفروا في وقت قحط وقيظ ، مع بعد الشّقّة ، وكثرة العدوّ ، فشقّ ذلك عليهم (٤) .
القمّي رحمهالله : وذلك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لم يسافر سفرا أبعد ولا أشدّ منه ، وكان سبب ذلك أنّ
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٥٨.
(٢) في النسخة : الدائمة.
(٣) تفسير الرازي ١٦ : ٥٩.
(٤) جوامع الجامع : ١٧٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٤٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
