الباقي المستقيم الذي جاء به إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام ، لا يغيّر ولا يبدّل ﴿فَلا تَظْلِمُوا﴾ أيّها العرب ﴿فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بتضييع حرمتها وتغيير شهورها.
ثمّ بيّن الله حكم قتال المشركين فيها بقوله : ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ حال كونكم ﴿كَافَّةً﴾ ومجتمعين ومتناصرين ، مستحلّين لقتالها (١)﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ﴾ حال كونهم ﴿كَافَّةً﴾ ومجتمعين على قتالكم ، مستحلّين له فيها.
ثم وعد الله المؤمنين النّصر بقوله : ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيّها المؤمنون ﴿أَنَّ اللهَ﴾ بنصره وتأييده ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ والخائفين من الله في مخالفة أوامره.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ
عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)﴾
ثمّ أنّ رجلا من كنانة ، كان يقف بالموسم ويقول : قد أحللت دماء المحلّين طي وخثعم في شهر المحرّم وأنسأته ، وحرّمت بدله صفرا ، فإذا كان العام المقبل يقول : قد أحللت صفرا وأنسأته ، وحرمت بدله شهر المحرّم. على رواية القمي (٢) .
فردّ الله سبحانه عليهم بقوله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ والتّأخير في الشّهر الحرام ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وبدعة مضافة إليه.
وقيل : إنّ أوّل من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني ، كان يقوم على جمل أحمر في الموسم فينادي : إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم فأحلّوه ، ثمّ ينادي في القابل : إنّ آلهتكم قد حرّمت عليكم المحرّم فحرّموه (٣) .
وهذا التّأخير والنّسيء ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ من قبل الله ، أو الشّيطان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
ثمّ فسّر سبحانه النّسيء بقوله : ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ويجوّزون القتال فيه ﴿عاماً﴾ ويمنعون عن القتال بدله في شهر حرام ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ ويمنعون القتال في ذلك الشّهر الذي أحلّوه ﴿عاماً﴾ آخر ﴿لِيُواطِؤُا﴾ ويوافقوا ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر. [﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾]
عن ابن عبّاس : أنّهم ما أحلّوا شهرا من الحرام إلّا حرّموا مكانه شهرا آخر من الحلال ، ولم يحرّموا
__________________
(١) كذا ، والظاهر : لقتالهم فيها.
(٢) تفسير القمي ١ : ٢٩٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٤٢.
(٣) تفسير الصافي ٢ : ٣٤٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
