الصيّافة (١) كانوا يقدمون المدينة من الشّام معهم الدّرموك (٢) والطّعام وهم الأنباط ، فأشاعوا بالمدينة أنّ الرّوم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله صلىاللهعليهوآله في عسكر عظيم ، وأنّ هرقل قد سار في جنوده وجلب معهم غسّان وجذام وبهراء وعاملة ، وقد قدم عساكره البلقاء ، ونزل هو حمص ، فأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله أصحابه بالتهيّوء إلى تبوك ، وهي من بلاد البلقاء ، وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكّة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة ، وحثّهم على الجهاد ، وأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله بعسكره فضرب في ثنيّة الوداع ، وأمر أهل جدّة أن يعينوا من لا قوّة له ، ومن كان عنده شيء أخرجه ، وحملوا وقوّوا وحثّوا على ذلك. ثمّ خطب خطبة ورغّب النّاس في الجهاد. قال : وقدمت القبائل من العرب ممّن استنفرهم ، وقعد عنه قوم من المنافقين (٣) .
فهدّدهم الله سبحانه على التّقاعد عنه بقوله : ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ أيّها المؤمنون ، ولا تخرجوا إلى الجهاد ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ الله في الدّنيا ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ ويهلككم إهلاكا فظيعا بالقتل وغلبة العدوّ والقحط - كما قيل (٤) - ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بكم بعد إهلاككم ﴿قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ خيرا منكم ، وأطوع لأمر الله ﴿وَلا تَضُرُّوهُ﴾ بتثاقلكم عن الجهاد ونصرة دينه ﴿شَيْئاً﴾ يسيرا من الضّرر ، لكونه تعالى غنيّا عن العالمين ، لا يحتاج في إنفاذ إرادته إلى معين ، أو المراد : لا تضرّوا النبيّ شيئا ، لأنّ الله عصمه من النّاس ، ووعده النّصر.
عن ابن عبّاس قال : المراد من القوم الآخرين التّابعون (٥) . وقيل : أهل اليمن (٦) . وقيل : أبناء فارس (٧) .
واحتمل بعض أن يكون المراد : أن يخرج النبي صلىاللهعليهوآله من بين أهل المدينة وينصره بالملائكة (٨) .
ثمّ أكّد غناه بقوله : ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من التّعذيب والتّبديل وغيرهما ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء ، فإذا وعد بالعقاب لا يخلف وعده. وهو غاية التّهديد.
﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ (٤٠)﴾
__________________
(١) أي الذين يأتون في الصيف.
(٢) الدّرموك : الثياب والبسط.
(٣) تفسير القمي ١ : ٢٩٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٤٢.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٤٢٩.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ٦١.
(٦ و٧) . تفسير الرازي ١٦ : ٦١ ، تفسير أبي السعود ٤ : ٦٥.
(٨) تفسير الرازي ١٦ : ٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
