ثمّ قيل : إن اناسا قالوا لأهل مكّة : ستلقون الشدّة من انقطاع السّبل ، وفقد الحمولات (١) ، فوعد الله سدّ خلّة (٢) المؤمنين بقوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ على أنفسكم ﴿عَيْلَةً﴾ وفقرا وحاجة بسبب منع المشركين من الحجّ ، وانقطاع ما كانوا يجلبونه إليكم من الأرزاق ، وتعطيل المكاسب ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ﴾ عنهم في إرزاقكم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وجوده ﴿إِنْ شاءَ﴾ غناءكم وسعة معائشكم.
وفي تعليق إغنائهم على مشيئته تنبيه على وجوب كونهم راجين بكرمه ، متضرّعين إليه ، وأنّ ما يصل إليهم يكون بتفضّله ، وأنّ الوعد لا يعمّ جميع الناس وجميع الأمكنة والأزمان ، بل هو لبعض دون بعض.
في إيجاب الجزية على أهل الكتاب
قيل : إنّ الله أنجز وعده بأن أرسل السّماء عليهم مدرارا ووفّق أهل تبالة وجرش (٣) للاسلام ، وامتاروا (٤) لهم ، ثمّ فتح عليهم البلاد ، ورزقهم الغنائم الوفيرة ، ووجّه إليهم النّاس من أقطار الأرض (٥) .
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بأحوال عباده ومصالحهم ﴿حَكِيمٌ﴾ يعطي ويمنع على حسب صلاح الأشخاص ونظام العالم.
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ
وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ
وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بقتال المشركين حتّى يقتلوا أو يسلموا ويتوبوا ، أمر بقتال أهل الكتاب حتّى يعطوا الجزية بقوله : ﴿قاتِلُوا﴾ يا أهل الإسلام ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ حقّ الإيمان به ﴿وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ كما ينبغي ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ عليهم في كتابه ﴿وَرَسُولُهُ﴾ في سنّته ﴿وَلا يَدِينُونَ﴾ ولا يعتقدون أو لا يقبلون ﴿دِينَ الْحَقِ﴾ الثّابت من الله وهو الاسلام ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ السّماوي من التّوراة والإنجيل وغيرهما ، واستمرّوا على قتالكم ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ والمال المضروب عليهم منكم ، حال كون عطائهم إيّاه ﴿عَنْ يَدٍ﴾ منهم وبمباشرتهم الإعطاء ﴿وَهُمْ
__________________
(١) الحمولات : جمع الحمولة ، وهي الإبل وغيرها التي تحمل المؤن ، وتطلق الحمولة على نفس المؤن المحمولة على الإبل.
(٢) الخلّة : هي الفقر الحاجة.
(٣) في النسخة : بتالة وحريش ، وتبالة : موضع ببلاد اليمن ، وجرش : من مخاليف اليمن من جهة مكة ، قال المهلّبي : أسلم أهل تبالة وجرش من غير حرب ، فأقرّها رسول الله صلىاللهعليهوآله في أيدي أهلها على ما أسلموا عليه ، وجعل على كلّ حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا ، واشترط عليهم ضيافة المسلمين. معجم البلدان ٢ : ١٠ و١٤٧.
(٤) أى جمعوا الميرة لأنفسهم ، وهي الطعام والمؤن.
(٥) تفسير روح البيان ٣ : ٤١١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
