﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾
ثمّ أنّه أخبر الله بإسلام بعض هوازن بقوله : ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ توبته بتوفيقه لقبول الإسلام ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ ومتجاوز عمّا سلف منهم من الكفر والمعاصي ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بإعطائهم الثّواب الجزيل.
روي أنّ اناسا منهم جاءوا رسول الله صلىاللهعليهوآله وبايعوه على الاسلام ، وقالوا : يا رسول الله ، أنت خير النّاس وأبرّهم ، وقد سبي أهلونا وأولادنا ، واخذت أموالنا. فقال صلىاللهعليهوآله : « إنّ عندي ما ترون ، إنّ خير القول أصدقه ، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم ، وإمّا أموالكم » . قالوا : ما كنّا نعدل بأحسابنا شيئا.
فقام النبيّ صلىاللهعليهوآله فقال : « إنّ هؤلاء جاءونا مسلمين ، وإنّا خيّرناهم بين الذّراري والأموال ، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا ، فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يردّه فشأنه [ وليفعل ما طاب له ] ومن لا فليعطنا ولكن قرضا علينا ، حتّى نصيب شيئا فنعطيه مكانه » . قالوا : رضينا وسلّمنا.
فقال صلىاللهعليهوآله : « إنّا لا ندري لعلّ فيكم من لا يرضى ، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا » ، فرفعت إليه العرفاء أنّهم قد رضوا.
ثمّ قال لوفد هوازن : « ما فعل مالك بن عوف ؟ » قالوا : يا رسول الله ، هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف ، فقال صلىاللهعليهوآله : « أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله ، وأعطيته مائة [ من ] الإبل » ، فلمّا بلغه هذا الخبر نزل من الحصن مستخفيا خوفا من أن تحبسه ثقيف إذا علموا الحال ، وركب فرسه وركضه حتّى أتى الدّهناء - محلا معروفا - وركب راحلته ولحق برسول الله صلىاللهعليهوآله فأدركه بالجعرانة فأسلم ، فردّ عليه أهله وماله ، واستعمله على من أسلم من هوازن ، وكان هو ممّن فتح عامّة الشّام (١) .
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ
عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ (٢٨)﴾
ثمّ منع الله المشركين من دخول المسجد الحرام بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقذر ، عن ابن عباس قال : أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير (٢)﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ فضلا عن أن يدخلوا فيه ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ الذي أنتم فيه.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٤٠٨.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ٢٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
