وقد كان صلىاللهعليهوآله بعث إليهم عينا ليتجسّس عن حالهم ، وهو عبد الله بن أبي حدرد (١) من بني سليم ، فوصل إليهم فسمع مالك بن عوف أمير هوازن يقول لأصحابه : أنتم اليوم أربعة آلاف رجل ، فإذا لقيتم العدوّ فاحملوا عليهم حملة واحدة ، واكسروا جفون سيوفكم ، فو الله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلّا فرج.
فأقبل العين إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله فأخبره بما سمع من مقالتهم ، فقال سلمة بن سلامة الوقسي الأنصاري - أو أبو بكر ؛ كما قال الفخر الرازي ، وبعض آخر من العامّة - : يا رسول الله ، لن نغلب اليوم من قلّة ، فساءت رسول الله صلىاللهعليهوآله كلمته ، فركب رسول الله صلىاللهعليهوآله بغلته دلدل ، ولبس درع داود التي لبسها حين قتل جالوت ، ووضع الألوية والرّايات مع المهاجرين ، فلمّا كان بحنين وانحدروا [ في الوادي ] وذلك عند غلس (٢) الصّبح يوم الثّلثاء ، خرج عليهم القوم وكانوا كمنوا لهم في شعاب الوادي ومضائقه ، وكانوا رماة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم المشركون وخلّوا الذّاري ، فأكبّ المسلمون عليهم ، فتنادى المشركون : يا حملة (٣) السّوء ، اذكروا الفضائح ، فتراجعوا وحملوا عليهم ، فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب وشؤمها ، فانكشفوا فلم يقوموا لهم مقدار حلب شاة (٤) .
قيل : بلغ منهزمهم مكّة ، وسرّ بذلك قوم من المشركين ، وأظهروا الشّماتة حتى قال أخو صفوان بن اميّة لامّه : ألا قد أبطل الله السّحر اليوم. فقال له صفوان ؛ وهو يومئذ مشرك : فضّ الله فاك ، والله لئن يملكني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يملكني رجل من هوازن. فلمّا انهزموا بقي رسول الله صلىاللهعليهوآله وحده وليس معه إلّا عمّه العباس آخدا بلجام بغلته ، وابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب آخدا بركابه ، وهو يركض (٥) البغلة نحو المشركين ويقول :
|
« أنا النبيّ لا كذب |
|
أنا بن عبد المطّلب |
وكان يحمل على الكفّار فيفرّون ، ثمّ يحملون عليه فيقف لهم ، فعل ذلك بضع عشرة مرّة. قال العبّاس : كنت أكفّ البغلة لئلّا تسرع [ به ] نحو المشركين. وناهيك بهذا شهادة على تناهي شجاعته حيث لم يخف اسمه في تلك الحال ، ولم يخف الكفّار على نفسه ، وما ذلك إلّا لكونه مؤيّدا من عند الله العزيز الحكيم.
فعند ذلك قال : يا ربّ ائتني بما وعدتني ، وقال للعباس - وكان جهوريّ الصّوت - : « صح بالنّاس » ،
__________________
(١) في النسخة : جذر ، وفي المصدر : حذر ، وكلاهما تصحيف ، راجع : اسد الغابة ٣ : ١٤١.
(٢) في تفسير روح البيان : غبش ، والغلس كالغبش ، وهي ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
(٣) في تفسير روح البيان : حماة.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٤٠٥.
(٥) أي يضرب جنبها برجله ليحثّها على السّير ، والضمير عائد إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
