﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ
اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٥) و (٢٦)﴾
ثمّ لمّا كان حبّ الأقارب لتوقّع النّصرة منهم على الأعداء ، نبّههم على أنّه خير النّاصرين والحافظين لهم ، بقوله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ﴾ بقدرته على الأعداء ﴿فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ من الحروب ، ومقامات عديدة في الجهاد ؛ كيوم بدر ، واحد ، والأحزاب ، وغيرها ﴿وَيَوْمَ﴾ غزوة ﴿حُنَيْنٍ﴾ وهو - على ما قيل - واد بين مكّة والطائف ، ويقال لها غزوة أوطاس ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ وسرّتكم ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾ وزيادة نفوسكم ، وقوّة شوكتكم ، حتّى قال أبو بكر لرسول الله صلىاللهعليهوآله : لن نغلب اليوم من قلّة (١) ، فساءته صلىاللهعليهوآله مقالته ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرة عددكم (٢)﴿شَيْئاً﴾ من الإغناء ، ولم تفدكم قوّة شوكتكم فائدة أصلا ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ فلا تجدون مأمنا من بأس العدوّ فيها ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ ومع سعتها من شدّة الرّعب ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ الأعداء ظهوركم ، حال كونكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ومنهزمين منهم.
روى بعض العامّة : أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله فتح مكّة لثلاثة أيّام بقيت من رمضان - وقيل : لثلاثة عشر يوما (٣) مضت منه - فمكث بها إلى أن دخل شوّال ، وحين فتحت مكّة أطاعه العرب إلّا هوازن وثقيفا ، وكانوا طغاة مردة ، فخافوا أن يغزوهم رسول الله صلىاللهعليهوآله وظنّوا أنّه صلىاللهعليهوآله يدعوهم إلى الاسلام ، فثقل ذلك عليهم ، فحشدوا وبغوا وقالوا : إنّ محمّدا لاقى أقواما لا يحسنون القتال ، فأجمعوا أمرهم على قتال النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فأخرجوا معهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم ، فخرج رسول الله صلىاللهعليهوآله صلىاللهعليهوآله يوم السّبت السادس من شوّال إلى حنين ، واستعمل على مكّة عتاب بن أسيد يصلّي بهم ، ومعاذ بن جبل يعلّمهم السّنن والأحكام ، وكان عسكر رسول الله صلىاللهعليهوآله اثني عشر ألفا ؛ عشرة آلاف من شهد فتح مكّة من المهاجرين والأنصار ، وألفان من الطّلقاء ، وهم أهل مكّة ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، سوى الجمّ الغفير من أمداد سائر العرب ، وحملوا النّساء فوق الإبل وراء صفوف الرّجال ، ثمّ جاءوا بالإبل والغنم والذّراري وراء ذلك ؛ كي يقاتل كلّ منهم عن أهله وماله ، ولا يفرّ أحد بزعمهم ، فساروا كذلك حتّى نزلوا بأوطاس.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٢١.
(٢) في النسخة : كثرة عدوّ.
(٣) في النسخة : لثلاث عشرة أيام.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
