وروي أنّه ينادي مناد يوم القيامة : أين الّذين كانت اجورهم على الله ؟ فلا يقوم إلّا من عفا (١) .
وإنّما ذكر سبحانه الإنفاق بصيغة المضارع لكونه ممّا يتجدّد ويحدث ، والكظم والعفو بصيغة الفاعل لكونهما من الملكات المستمّرة.
ثمّ أشار سبحانه إلى علّة تخصيصه الجنّة بالمتّقين وتهيئتها نزولا لهم ، بقوله : ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ الّذين تمّت فضائلهم ، وعمّت فواضلهم ، فاستحقّوا بحبّه إيّاهم هذا التّشريف والتّكريم ، وبإحسانهم إلى الغير ، بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان الجسيم من الله.
وقيل : إنّ الصّفات الثّلاث لمّا كانت مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ، خصّ المتّصفين بها بثواب أعظم من الجنّة ونعيمها ، وهو حبّ الله لهم.
وقيل : إنّ الآية جامعة لجميع جهات الإحسان إلى الغير ، فإنّه إمّا يكون بإيصال النّفع إليه ، أو بدفع الضّرر عنه أمّا إيصال النّفع إليه ، فهو المراد بقوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فإنّه يدخل فيه إنفاق العلم بتعليم الجاهلين ، وهداية الضّالّين ، وإنفاق القوى بالسّعي في قضاء الحوائج ، وإنفاق المال في وجوه الخيرات وأمّا دفع الضّرر عن الغير ، فهو إمّا في الدّنيا ، وهو أن لا يشتغل بإساءة في مقابل إساءة ، وإمّا في الآخرة ، فهو أن يبرئ ذمّته من التّبعات والمطالبات.
روى بعض العامّة أنّ خادما كان قائما على رأس الحسن بن عليّ عليهماالسلام ، وهو مع أضيافه في المائدة ، فأنحرفت قصعة كانت في يد الخادم ، فسقط منها شيء على الحسن فقال : ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال عليهالسلام : « قد عفوت عنك » فقال : ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . قال عليهالسلام : « أنت حرّ لوجه الله ، وقد زوّجتك فلانة فتاتي ، وعليّ ما يصلحكما » (٢) .
وعن السّجاد عليهالسلام من طرق أصحابنا : أنّ جارية له صبت على يديه الماء ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه ، فرفع رأسه إليها ، فقالت الجارية : ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال عليهالسلام لها : « كظمت غيظي » . فقالت : ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فقال عليهالسلام : « عفا الله عنك » . فقالت : ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . قال عليهالسلام : « ارجعي ، أنت حرّة لوجه الله » (٣) .
أقول : يستفاد من الرّوايتين أنّ التّذييل لبيان صفة رابعة ؛ وهي الإحسان إلى المسيء ببذل المال ، وإيصال النّفع إليه ، أو دفع الضّرر عنه.
﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
__________________
(١) تفسير روح البيان ٢ : ٩٥.
(٢) تفسير روح البيان ٢ : ٩٥.
(٣) مجمع البيان ٢ : ٨٣٨ ، تفسير الصافي ١ : ٣٥١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
