أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ * قالا رَبَّنا
ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٢) و (٢٣)﴾
ثمّ أكّد اللّعين صدق قوله ونصحه بأن حلف بالله لهما ﴿وَقاسَمَهُما﴾ كذبا : ﴿إِنِّي لَكُما﴾ فيما أقول ﴿لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ والدّالّين لكما إلى الخير والصّلاح ﴿فَدَلَّاهُما﴾ وحطّهما من المنزلة العالية التي كانت لهما بطاعة الله إلى مهوى عصيانه الذي هو أنزل المراتب ، وأجرأهما على أكل الشجرة المنهيّ عنها ﴿بِغُرُورٍ﴾ وتسويل عظيم.
عن ابن عبّاس : أي غرّهما باليمين ، وكان آدم عليهالسلام يظنّ أن لا يحلف أحد بالله كاذبا (١) .
قيل : إنّ اللّعين أوّل من حلف بالله كاذبا.
فأكلا منها ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ ووجدا طعم ثمرها أخذتهما العقوبة ، فتهافت عنهما لباسهما فورا ، و﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ وظهرت عوراتهما بشؤم العصيان.
قيل : كان لباسهما من حلل الجنّة.
وقيل : كان ظفرا في أشدّ اللّطافة واللّين والبياض ، وكان حاجبا من النّظر إلى أصل البدن ، فلما أصابا الخطيئة نزع عن بدنهما ، وبقي على رؤوس الأصابع تذكيرا لما فات من النّعم وتجديدا للنّدم (٢) .
وقيل : كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النّظر إلى البدن ، فلمّا عصيا زال النّور عنهما (٣) .
وعلى أي تقدير ، لمّا انكشفت عورتهما ، استقبحا ذلك واستحييا من الملائكة ﴿وَطَفِقا﴾ وأخذا ﴿يَخْصِفانِ﴾ ويرقعان ويلزقان ﴿عَلَيْهِما﴾ وعلى عوراتهما ورقة فوق ورقة ﴿مِنْ وَرَقِ﴾ أشجار ﴿الْجَنَّةِ﴾ .
قيل : كان ذلك الورق من شجرة التّين ، ولم تسترهما شجرة غيرها ، فقال الله تعالى : كما سترت آدم اخرج منك المعنى قبل الدّعوى ، وسائر الأشجار يخرج منها الدّعوى قبل المعنى ، ولهذه الحكمة يخرج ثمر سائر الأشجار في أكمامها أوّلا ، ثمّ تظهر الثّمرة من أكمامها ثانيا ، وثمرة التّين أوّل ما يبدو يبدو بارزا (٤) من غير أكمام (٥) .
عن الصادق عليهالسلام : « لمّا أسكنه الله الجنّة وأباحها له إلّا الشجرة ؛ لأنّه خلق خلقة لا تبقى إلّا بالأمر والنّهي والغذاء واللّباس والأكنان والتّناكح ، ولا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتّوقيف ، فجاءه إبليس»
__________________
(١) تفسير الرازي ١٤ : ٤٩.
(٢) تفسير روح البيان ٣ : ١٤٥.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ١٤٦.
(٤) كذا ، الظاهر : أول ما تبدو تبدو بارزة ، والذي في روح البيان : وشجرة التين أول ما يبدو ثمره يبدو بارزا ...
(٥) تفسير روح البيان ٣ : ١٤٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
