صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قربه ورضوانه ، وأوحى إليّ ﴿دِيناً قِيَماً﴾ قويما ، كان هو ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ حال كونه عليهالسلام ﴿حَنِيفاً﴾ ومائلا عن كلّ باطل ، أو حال كون ملّته حنيفيّة ﴿وَما كانَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . وفيه ردّ [ على ] ما ادّعوه من أنّهم على دين إبراهيم.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ
وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٢) و (١٦٣)﴾
ثمّ أمره سبحانه بالإعلان بتوحيده في العبادة وتمحّضه في الخلوص له تعالى بقوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي﴾ وخضوعي ﴿وَنُسُكِي﴾ وعباداتي كلّها ، أو قرباني.
وقيل : إنّ الصّلاة : صلاة العيد ، والنّسك : الاضحيّة (١) .
﴿وَمَحْيايَ وَمَماتِي﴾ وحياتي وموتي ، أو ما أنا عليه في حياتي وما أكون عليه عند موتي من الإيمان والطّاعة ، خالصة ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وحده ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ فيها ، ﴿وَبِذلِكَ﴾ التّوحيد أو الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾ من جانب ربّي ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ والمنقادين لعبادته في عالم الذرّ لأنّه أوّل من أجاب ، أو في هذه الامّة لأنّ إسلام النبيّ قبل إسلام أمّته.
﴿قُلْ أَ غَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ
وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾
ثمّ أمر سبحانه بأن يبالغ في التزامه بالتّوحيد في الرّبوبيّة والعبادة بإظهار غاية قباحة الشّرك من نفسه ، وإنكاره عليهم بعد قيام البراهين القاطعة على وجوب التّوحيد بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد : ﴿أَ غَيْرَ اللهِ﴾ من الملائكة والكواكب والأصنام وغيرها ﴿أَبْغِي﴾ وأطلب لنفسي ﴿رَبًّا وَهُوَ﴾ تعالى ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ باعتراف جميع الفرق ، وبحكم العقل القطعي لبداهة وجوب انتهاء وجود الممكن إلى الواجب ، وامتناع تعدّده ، وكون الممكن شريكا له.
ثمّ نبّههم على أنّ ضرر الشّرك وعقابه عليهم بقوله : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من الأنفس ضررا ﴿إِلَّا﴾ كان ذلك الضّرر ﴿عَلَيْها﴾ لا يتعدّاها إلى غيرها ﴿وَلا تَزِرُ﴾ ولا تحتمل نفس ﴿وازِرَةٌ﴾ وحاملة المعصية ﴿وِزْرَ﴾ نفس ﴿أُخْرى﴾ وحملها وعقوبتها.
وفيه ردّ على المشركين القائلين للمؤمنين : ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾(٢) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ١٢٩.
(٢) العنكبوت : ٢٩ / ١٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
