﴿ثُمَ﴾ أنتم بعد الموت ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾ ومليككم ، وإلى حكمه ومحضر عدله ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ ومصيركم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ ويخبركم يومئذ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من الرّشد والغيّ ، والحقّ والباطل ، بإعطاء الثّواب العظيم للمحقّين ، والحكم بالعقاب الشّديد للمبطلين.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾
ثمّ أنّه تعالى لمّا بدأ في السّورة المباركة ببيان كمال قدرته وحكمته والوهيّته في عالم الوجود ، ختمها ببيان كمال منّته ورأفته ووفور نعمه ، وشدّة عقابه وسعة رحمته بقوله : ﴿وَهُوَ﴾ الله القادر ﴿الَّذِي﴾ خلقكم ومنّ عليكم بأن ﴿جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ وساكنيها بعد بني الجان ، أو بعد فناء الامم الماضية ، أو خلفاء نفسه في الأرض تتصرّفون فيها كتصرّف الملّاك في أملاكهم ، وتنتفعون بها وبما خلق فيها ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في القوى الجسمانيّة ، والعقل والعلم ، والشّرف والمال ، وغيرها من الكمالات الوجودية والسّعادات الدّنيويّة والاخرويّة ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾ آخر ، وفضّل كلّا منكم في الصّفات الخلقيّة ، والمحاسن الخلقيّة على الآخر بجوده ورأفته إلى ﴿دَرَجاتٍ﴾ كثيرة متفاوتة ، لا للجهل والقرابة أو غيرهما من الدّواعي النّفسانيّة ، بل ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ويعاملكم معاملة الممتحن لطاعتكم وعصيانكم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ وجعل عليكم من التّكاليف والأحكام.
ثمّ هدّد سبحانه على عصيانه بقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ في الآخرة على عصيانه ومخالفة أحكامه ، ثمّ رغّب في طاعته بقوله : ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ للذّنوب ، وستّار للمعاصي بفضله وكرمه البتّة ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده المطيعين له بإفاضة نعمه الجسيمة عليهم في الدّنيا والآخرة لا محالة.
في ( الكافي ) : عن الصادق عليهالسلام : « أنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة ، شيّعها سبعون ألف ملك حتّى نزلت على محمّد صلىاللهعليهوآله ، فعظّموها وبجّلوها ، فإنّ اسم الله عزوجل فيها في سبعين موضعا ، ولو يعلم النّاس ما في قراءتها ما تركوها » (١) .
وعن الرضا عليهالسلام : « نزلت الأنعام جملة واحدة ، شيّعها سبعون ألف ملك ، لهم زجل بالتّسبيح والتّهليل والتّكبير ، فمن قرأها سبّحوا له إلى يوم القيامة » (٢) .
__________________
(١) الكافي ٢ : ٤٥٥ / ١٢ ، ثواب الأعمال : ١٠٥ ، تفسير الصافي ٢ : ١٧٨.
(٢) تفسير القمي ١ : ١٩٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١٧٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
