حاجّ ، فأخبرته بما كان ، فقال : « إنّ الله تعالى أحلّ في الاضحيّة [ بمنى الضأن والمعز الأهلية ، وحرم أن يضحى فيه بالجبلية ، وأمّا قوله عزوجل : ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ فإنّ الله تعالى أحلّ في الأضحية بمنى ] الإبل العراب وحرّم منها البخاتي ، وأحلّ البقر الأهليّة أن يضحى بها وحرّم الجبليّة » .
فانصرفت إلى الرّجل وأخبرته بهذا الجواب ، فقال : هذا شيء حملته الإبل من الحجاز (١) .
أقول : الظّاهر أنّ الخارجي كان عالما بالحكم ، وأراد أن يمتحن داود بمعرفته. وفي الآية دلالة على أنّ عدم وجدان الدّليل على الحرمة كاف في القول بإباحة مشكوك الحرمة.
ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات كون المشركين في القول بحرمة بعض الأنعام مفترين عليه ، ذمّهم بكونهم لأجل افترائهم عليه أظلم النّاس على أنفسهم بقوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ على نفسه بإهلاكها الأبديّ ، وعلى ربّه بتضييع حقّه ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ﴾ بنسبة تحريم ما أحلّه إليه ﴿كَذِباً﴾ ليغير دينه الحقّ ، كعمرو بن لحيّ المغيّر لدين إسماعيل حيث إنّه بحر (٢) البحائر وسيّب السّوائب ، وككبرائهم المقرّرون لذلك ، و﴿لِيُضِلَ﴾ ويحرف ﴿النَّاسَ﴾ عن الصّراط المستقيم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بسوء عاقبة هذا التّغيير والإضلال. وقيل : إن لام ( ليضل ) لام العاقبة (٣) .
ثمّ هدّد سبحانه المفترين بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الحقّ ، أو إلى ثوابه وطريق الجنّة ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فكيف بقوم هم أظلم النّاس !
﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بمطالبة الحجّة من المشركين على ما زعموه من حرمة بعض الأنعام وما في بطونها ، وظهور عجزهم عن إقامتها ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بإقامة الحجّة على حلّية جميع الأنعام بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ﴾ من ربّي من الأحكام طعاما يكون ﴿مُحَرَّماً﴾ من قبله ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ وآكل ﴿يَطْعَمُهُ﴾ ويأكله ، [ سواء أ ] كان ذكرا أو انثى ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك الطّعام ﴿مَيْتَةً﴾ وحيوانا خرج روحه بغير التّذكية الشّرعيّة ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ومصبوبا من العروق بعد
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ : ٢٩٣ / ١٤٥١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٦٥.
(٢) بحر الناقة : شقّ اذنها.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ١١٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
