بنسبة تحريمها إلى الله يفترون ﴿افْتِراءً﴾ عظيما ﴿عَلَى اللهِ﴾ فهم ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ وانحرفوا عن طريق الرّشد إلى مصالحهم الدّنيويّة والاخرويّة ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إليه أبدا ، وإن بالغت في هدايتهم.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً
أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا
حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾
ثمّ لمّا وبّخ الله سبحانه المشركين على جعل نصيب من الحرث والأنعام للأصنام ، وتحريم ما رزقهم الله ، عاد سبحانه إلى الاستدلال على توحيده الذي هو المقصود الأصلي في السّورة المباركة بكونه خالق الزّرع والأشجار والأنعام ؛ بقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ وأخرج من العدم إلى الوجود ﴿جَنَّاتٍ﴾ ذوات كروم ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ ومحمولات على ما يحملها من الأخشاب وغيرها ﴿وَ﴾ جنات ﴿غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ .
قيل : هي الجنّات التي لا غرس لها ، بل يكون فيها ما ينبت منبسطا على وجه الأرض كالقرع والبطّيخ وأمثالهما (١) ، وقيل : هي التي فيها الكروم المنبسطة على الأرض (٢) ، وقيل : هي التي فيها الأشجار المستغنية عن العريش لاستوائه وذهابه إلى العلوّ بقوّة ساقه (٣) .
﴿وَ﴾ أنشأ ﴿النَّخْلَ﴾ بأصنافها المختلفة ﴿وَالزَّرْعَ﴾ من الحبوب التي يقتات بها - كما عن ابن عبّاس (٤) - حال كون كلّ من النّخل والزّرع ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ وثمره ، ومتفاوتا بعضه مع بعض في الطّعم والهيئة ، لكلّ صنف من ثمرهما طعم غير الآخر ، وهيئة غير هيئة الآخر ، ﴿وَ﴾ أنشأ ﴿الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ حال كون بعض ثمرهما ﴿مُتَشابِهاً﴾ مع بعض في الطّعم والهيئة واللّون والجودة والرّداءة ، ﴿وَ﴾ بعضه ﴿غَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ من جميع الجهات أو من بعضها ؛ كالرّمانتين اللّتين لونهما واحد وطعمهما مختلف.
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان مالكيّته لجميع النباتات ، أذن للنّاس بالانتفاع بكلّ واحد منها بقوله : ﴿كُلُوا﴾ وانتفعوا أيّها النّاس ﴿مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ وصلح للانتفاع ، وإن لم يدرك ولم يينع لأنّه خلق لكم ، ولا تحرّموا على أنفسكم منه شيئا ، ولا تجعلوا للأصنام منه نصيبا ﴿وَ﴾ لكن ﴿آتُوا﴾ الفقراء وأعطوهم ﴿حَقَّهُ﴾ وما ثبت عليكم فيه من الضّغث (٥) والحصّة ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وحين جذاذه.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٢١١.
(٢) تفسير الرازي ١٣ : ٢١٢.
(٣) تفسير الرازي ١٣ : ٢١١.
(٤) تفسير الرازي ١٣ : ٢١٢.
(٥) الضّغث : هو قبضة الحشيش المختلط من الأخضر واليابس.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
