ثمّ بيّن الله عدم أهليّة أهل الكتاب للحكميّة لشدّة عداوتهم مع النبيّ صلىاللهعليهوآله وكتمانهم الحقّ بقوله : ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ وفهّمناهم ما فيه من علائم النبيّ وصفات كتابه ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بسبب شهادة كتبهم بصدق كتابك ﴿أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ متلبّسا ﴿بِالْحَقِ﴾ والصدق ، ومع ذلك يكتمون الشّهادة على أنّه منزّل منه ﴿فَلا تَكُونَنَ﴾ يا محمّد ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ والشّاكّين في علمهم بصدق كتابك ، وفيه توبيخهم. أو من الممترين في أنّه منزّل من ربّك بسبب جحودهم ، وفيه تهييج للنبيّ صلىاللهعليهوآله على الثّبات على يقينه. وقيل : إنّ الخطاب للنبيّ صلىاللهعليهوآله والمراد غيره (١) .
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ
يَخْرُصُونَ (١١٥) و (١١٦)﴾
ثمّ أكّد سبحانه كون القرآن أعظم شهادة منه تعالى على صدق نبوّته بقوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وآياته النّازلة إليك في الإعجاز والشهادة على صدق دعواك ، وبيان جميع ما يحتاج إليه النّاس إلى يوم القيامة ، حال كونها ﴿صِدْقاً﴾ في إخبارها ﴿وَعَدْلاً﴾ مستقيما في حكومتها ؛ لا كذب فيها ، ولا تجاوز عن الحقّ ﴿لا مُبَدِّلَ﴾ ولا مغيّر من خلق الله ﴿لِكَلِماتِهِ﴾ .
قيل : إنّ المراد : لا يأتي أحد بما هو أصدق وأعدل منها ، بل ولا بما يساويها في الصّدق والعدالة ، فكيف يجوز ابتغاء حكم غيره تعالى ؟ ! (٢)
وقيل : إنّ المعنى : لا خلف فيها ولا نقص ، أو لا تأثير لشبهات الكفّار في دلالتها على صدقك(٣).
ثمّ هدّد المبتغين للتحكيم بقوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لمقال المتحاكمين ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخبث ذاتهم وسوء أعمالهم ، فيعاقبهم عليها.
عن الصادق عليهالسلام : « أنّ الإمام يسمع في بطن امّه ، فإذا ولد خطّ بين كتفيه » (٤) وفي رواية : « بين عينيه » (٥) وفي اخرى : « على عضده الأيمن : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ الآية (٦) ، فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كلّ بلدة » (٧) . وفي رواية : « فبهذا يحتجّ الله على خلقه » (٨) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ١٥٩.
(٢) تفسير أبي السعود ٣ : ١٧٨ ، تفسير روح البيان ٣ : ٩١.
(٣) تفسير الرازي ١٣ : ١٦٢.
(٤) الكافي ١ : ٣١٨ / ٤ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥١.
(٥) الكافي ١ : ٣١٩ / ٦ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥١.
(٦) الكافي ١ : ٣١٨ / ٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥١.
(٧) الكافي ١ : ٣١٨ / ٤ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥١.
(٨) الكافي ١ : ٣١٨ / ٢ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
